النسور يكتب: انتخاب بلا ناخبين: كيف تُفرغ اللامركزية من مضمونها ؟
بقلم : رائد اسماعيل النسور
في خضم التصريحات الأخيرة الصادرة عن الحكومة وعدد من النواب حول التعديلات المقترحة على قانون الإدارة المحلية، وبالتحديد ما يتعلق بآلية اختيار مجالس المحافظات (اللامركزية) عبر “الانتخاب غير المباشر”، تبرز تساؤلات جوهرية تمس صلب العملية الديمقراطية في الأردن، وتضعنا أمام مفترق طرق حقيقي بين توسيع المشاركة الشعبية أو الالتفاف عليها.
منذ سنوات، أكد جلالة الملك عبد الله الثاني على ضرورة تعزيز مشاركة المواطنين في صناعة القرار، ليس فقط سياسياً، بل وتنموياً أيضاً. وقد جاءت تجربة اللامركزية كأحد أهم الأدوات لتحقيق هذه الرؤية، باعتبارها تمثل جسراً بين المواطن والدولة، ومنصة حقيقية لتحديد أولويات المحافظات وفق احتياجاتها الفعلية. وعليه، فإن أي توجه للحد من حق المواطن في اختيار ممثليه في هذه المجالس، يُعد تراجعاً واضحاً عن هذه الرؤية الملكية الإصلاحية.
إن طرح فكرة “الانتخاب غير المباشر” لمجالس المحافظات، عبر تعيين أعضاء من نقابات وهيئات منتخبة، يحمل في ظاهره شكلاً من أشكال التمثيل، لكنه في جوهره يُقصي الغالبية العظمى من المواطنين عن المشاركة. فحين يتم حصر الاختيار ضمن دوائر ضيقة، فإن الغالبية العظمى من الشعب فعلياً لن يكون لهم أي دور في اختيار من يمثلهم في هذه المجالس، ما يُفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها الحقيقي.
الأمر لا يقف عند البعد السياسي فحسب، بل يمتد إلى شبهة دستورية تستحق الوقوف عندها. فالدستور الأردني كفل للمواطن حق اختيار ممثليه في المجالس المنتخبة، سواء كانت نيابية أو بلدية أو غيرها من الهيئات التي تمس حياته اليومية. وبالتالي، فإن أي محاولة للالتفاف على هذا الحق عبر صيغ “غير مباشرة” تثير تساؤلات جدية حول مدى انسجام هذه التعديلات مع روح الدستور ونصوصه.
أما الأحزاب السياسية، التي يُفترض أن تكون ركيزة أساسية في ترسيخ العمل الديمقراطي، فإن دورها في هذه المرحلة يجب أن يكون واضحاً وحاسماً. فالديمقراطية لا تُبنى إلا عبر صناديق الاقتراع، وأي تقليص لدور المواطن في الانتخاب هو تقليص مباشر لدور الأحزاب نفسها. ومن هنا، فإن مسؤولية الأحزاب تقتضي رفض هذا التوجه، والدفاع عن حق المواطن في الاختيار المباشر.
وفي السياق ذاته، لا يمكن إغفال دور مجلس النواب، الذي يُفترض به أن يكون صوت الشعب لا صدى للحكومة. فالسلطة التشريعية، وفق مبدأ الفصل بين السلطات، مطالبة بحماية المسار الديمقراطي، لا بالمساهمة في تقويضه. ومن غير المقبول أن يقرّ النواب آلية تعيين لمجالس يُفترض أنها تمثل الإرادة الشعبية، في تناقض واضح مع دورهم الدستوري.
لكن، وبعيداً عن آلية الاختيار، فإن تقييم تجربة اللامركزية في الأردن يجب أن يكون موضوعياً. فالإشكالية الحقيقية لم تكن في طريقة انتخاب المجالس، بل في محدودية الصلاحيات الممنوحة لها. إذ بقيت هذه المجالس في كثير من الأحيان عاجزة عن إحداث أثر تنموي ملموس، بسبب غياب الأدوات التنفيذية والرقابية الكافية.
إذا كنا جادين في إنجاح مشروع اللامركزية، فإن الطريق لا يمر عبر تقييد الديمقراطية، بل عبر تمكينها. المطلوب هو توسيع صلاحيات مجالس المحافظات، ومنحها دوراً رقابياً فعلياً على المديريات، وإنشاء دوائر عطاءات خاصة بها لتنفيذ مشاريعها التنموية، إضافة إلى تمكينها من متابعة تنفيذ هذه المشاريع على أرض الواقع.
كما أن من الضروري إدخال مفهوم “تدوير الموازنات”، بحيث لا تضيع المخصصات غير المنفذة مع نهاية العام، بل تُرحّل إلى السنوات التالية، ما يضمن استمرارية المشاريع وتحقيق أهدافها. هذه الأدوات وغيرها كفيلة بتحويل مجالس المحافظات إلى مجالس تنموية حقيقية، لا مجرد هياكل شكلية.
في المقابل، يجب أن يبقى الدور التنفيذي بيد المجلس التنفيذي في المحافظة، برئاسة المحافظ، لضمان وضوح المسؤوليات وتكامل الأدوار بين التخطيط والتنفيذ.
ختاماً، إن اللامركزية مشروع وطني للإصلاح والتنمية. وإن أي تعديل عليها يجب أن ينطلق من مبدأ توسيع المشاركة الشعبية، لا تقليصها. فالديمقراطية لا تُجزأ، والإرادة الشعبية لا يمكن اختزالها أو تمثيلها بالنيابة. إما أن نؤمن بحق المواطن في الاختيار، أو نعيد النظر في كامل مسارنا الإصلاحي.





