كراجة يكتب: الصهيونية كما لم نعرفها...

{title}
أخبار الأردن -

 

سائد كراجة


الصهيونية نبتٌ أوروبي في منشئها وفي مبتغاها، وهي حركة قومية تأثرت بالفكر القومي الأوروبي، وسعت لحل “المسألة اليهودية” التي تشكّلت في أوروبا لا في الشرق العربي. لذلك فإن فهمها يستوجب الإحاطة بسياقها الأوروبي الاستعماري الذي أنتجها وتبنّى نجاحها. وقد لخّص ثيودور هرتزل هذه «المعضلة» في استحالة أو رفض أوروبا لدمج اليهود في مجتمعاتها، وبالتالي ضرورة إيجاد وطن قومي لهؤلاء اليهود بعيدًا عن أوروبا.
 

لكن الصهيونية، من وجهة نظر ضحاياها كما يقول إدوارد سعيد، هي حركة استعمار استيطاني تهدف إلى إعادة تعريف الأرض، وبالتالي طرد السكان أو تحييدهم على نحو دائم. ويُضرب المثال الأبرز في العالم بما حدث في أميركا، وأيضًا نيوزيلندا وكندا وأستراليا، بينما يتمثَّل الاستعمار غير الإحلالي باحتلال بريطانيا للهند ومصر، حيث الهدف كان السيطرة واستغلال الثروات دون طرد السكان.
الصراع العربي مع الصهيونية لم يكن صراعًا على السيادة فحسب، بل صراعًا على الرواية والتاريخ والبنيان. ولا شك أن العرب، وأولهم الفلسطينيون، تنبّهوا مبكرًا إلى البعد الإحلالي في الحركة الصهيونية، إذ نجد كتابات منذ عام 1911 لنجيب نصّار في مجلة الكرمل الفلسطينية تشير إلى ذلك، لكن هذا الوعي بقي تحذيريًا أكثر منه وعيًا استراتيجيًا عربيًا متفقًا عليه.
وهنا يمكن القول إن الغفلة لم تكن في التشخيص الأولي، بل في وعي نطاق المشروع وتحديد ضحاياه. إذ تعاملت القيادات العربية مع إسرائيل باعتبارها مشروعًا يمكن احتواؤه أو تشذيب أطماعه. فقد توهّمت منظمة التحرير الفلسطينية أن أوسلو ستؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية على جزء من أرض فلسطين التاريخية، وتحديدًا في الضفة الغربية، التي تُعرف في الرواية الإسرائيلية بيهودا والسامرة، حيث يُدّعى وقوع أهم أحداث التوراة.
كما رفعت مصر شعار «مصر أولًا» لتبرير أول اتفاقية سلام واستعادة سيناء، بوصف ذلك ضمانًا لأمنها، وفي السياق نفسه، أوهمت هذه الغفلة الأردن بأن السلام سينهي مشاريع الوطن البديل، وأوهمت بعض دول الخليج بأن الانفتاح والتطبيع سيؤمّن أمنها واستقلالها، بينما ظنّ المغرب العربي أن ارتباطه التاريخي بمواطنيه اليهود سيضمن له موقعًا في الرضا والحماية. لكن النتيجة، وفق هذا الطرح، كانت تفكك الساحات العربية وتحوّلها إلى مجالات إستغلال متفرقة.
هل يبدو هذا الطرح مكررًا؟ ربما، لكنه ما يزال حاضرًا في غياب فهم عربي موحّد لطبيعة المشروع الصهيوني. ويذهب بعض الباحثين، مثل فوزي بدوي، إلى أن فكرة «إسرائيل الكبرى» تُطرح كتصور مرن يتكيّف مع المرحلة، وليس كخريطة ثابتة، ما يفتح باب التأويل بين الطموح الأيديولوجي والواقع السياسي.
في ظل الدعم الأميركي الواسع لإسرائيل، تتجاوز الإشكالية موازين القوة إلى غياب مشروع عربي متكامل. فإعادة بناء هذا المشروع لا تتطلب استعادة خطاب قومي تقليدي، بل تأسيس رؤية قائمة على فهم دقيق للصهيونية، وعلى تكامل اقتصادي وصيغ سياسية حديثة قائمة على المواطنة وقبول التنوع. عندها فقط يمكن الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستراتيجي.
يقول سون تزو الخبير العسكري الصيني القديم: من لا يعرف نفسه ولا يعرف عدوه يخسر كل المعارك. وربما تكمن الإشكالية هنا تحديدًا جنابك!

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية