ملكاوي يكتب: هل تغيرت نظرة الغرب إلى الإسلام؟
موفق ملكاوي
يطرح مقال الكاتب الأميركي ماثيو شميتز في صحيفة "واشنطن بوست" مؤخرا، بعنوان "لماذا يشيد المؤثرون اليمينيون الغربيون فجأة بالإسلام؟"، إشكالية كبيرة تتأتى من مبعث الإشادة بحد ذاته، أهي من الدين، أم من العادات الثقافية التي يحميها ويطورها الدين؟
يطرح شميتز ما يقول إنه أصبح ظاهرة لافتة داخل بعض دوائر اليمين الأميركي، بانتقال مؤثرين محافظين، خصوصا في فضاء البودكاست والإعلام غير التقليدي، من خطاب كان ينظر إلى الإسلام لعقود بوصفه تهديدا حضاريا، إلى خطاب جديد يظهر قدرا من الإعجاب الانتقائي ببعض جوانب المجتمعات الإسلامية.
"النبرة المختلفة" التي أصبح يتحدث بها المؤثرون، لا يفسرها الكاتب بأنها تحول لـ"تأييد الإسلام" بالمعنى العقدي أو الثقافي الكامل، لكنه تحول غير مألوف داخل يمين أميركي ربط الإسلام بالإرهاب على مدى عقود، واعتبره "تهديدا للحضارة الغربية".
يشرح شميتز كيف أن بعض المؤثرين المحافظين باتوا يرون في الإسلام نموذجا ثقافيا يمتلك ما فقده الغرب، خصوصا الإيمان العميق، والانضباط الأخلاقي، والترابط الاجتماعي. الإعجاب ليس بالدين نفسه بقدر ما هو إعجاب بالبنية الاجتماعية، وبما تمثله بعض المجتمعات المسلمة من تمسك بالهوية الدينية، ووضوح في الأدوار الأسرية والجندرية، ومعدلات الولادة العالية والتماسك الأسري، وأيضا بمقاومة العلمانية الثقافية المتطرفة، وهي عناصر يعتبرونها مفيدة في معركتهم ضد الحداثة الليبرالية الغربية.
لكن المقال، وآراء المؤثرين، لا يمكن قراءتها على أنها تغير في نظرة الغرب إلى الإسلام الذي يتم استخدامه بوصفه مرآة لنقد الليبرالية الغربية، ويتم التعمية عليه كدين أو حضارة يمكن الانفتاح عليها. اليمين المحافظ، الذي يشعر بأن المؤسسات الليبرالية الغربية أعادت تشكيل المجتمع بصورة تهدد تصوره للأسرة والجندر والدين والهوية الوطنية، وجد في بعض المجتمعات الإسلامية نموذجا "مقاوما" لهذه التحولات التي تسعى إلى "تمييع" هذه المفاهيم.
الإسلام، بالنسبة لهؤلاء، لا يظهر باعتباره "الآخر" كما كان بعد 11 سبتمبر، وإنما باعتباره "الآخر الذي ما يزال يحتفظ بما فقدناه نحن"، في مفارقة كبيرة لا تحترم الإسلام بشكل حقيقي، فكثير منهم لا يتحدثون عن الإسلام باعتباره منظومة معرفية وروحية وأخلاقية متكاملة، ولا يظهرون اهتماما حقيقيا بتاريخه الفكري أو تراثه الفلسفي أو تجربته الحضارية. ما يجذبهم غالبا هو "انتقائية ثقافية" تعزز معركتهم ضد الليبرالية التي يرفضونها.
هذه الانتقائية ليست جديدة في التاريخ الغربي، فكثيرا ما لجأ الغرب إلى إعادة إنتاج صورة الشرق بما يخدم أزماته الداخلية. في القرن التاسع عشر، جرى تصوير الشرق بوصفه فضاء روحانيا يعوض جفاف الحداثة الصناعية. وبعد الحرب على الإرهاب، تم تصويره بوصفه تهديدا أمنيا وثقافيا. واليوم، في خضم الحرب الثقافية داخل الغرب، يعاد تقديم بعض عناصر الإسلام باعتبارها نموذجا أخلاقيا مضادا للانهيار القيمي الغربي. الصورة تتغير، لكن الآلية نفسها تبقى بما يخدم الغرب نفسه، فيعاد تعريف الإسلام وفق الحاجة الغربية.
"الانفتاح" الجديد لا يمكن اعتباره اعترافا بالإسلام بقدر ما هو تعبير عن أزمة هوية داخل الحضارة الغربية نفسها، فحين يبدأ اليمين الأميركي بالإشادة بمجتمعات مسلمة لأنها تحافظ على الأسرة أو الدين أو الخصوبة، فإن الرسالة الحقيقية موجهة للمجتمع الغربي نفسه بتذكيره بالخسارات الكبيرة التي تكبدها خلال موجات الحداثة والعولمة.
في المقابل، لا ينبغي التقليل من أهمية هذه اللحظة، فهي تكشف أن كثيرا من القيم التي ظل الغرب لعقود يربطها بـ"التخلف" أو "المجتمعات التقليدية"، بات يعيد النظر فيها عندما بدأت مجتمعاته تواجه التفكك الاجتماعي، والعزلة الفردية، وتراجع معدلات الإنجاب، وأزمات المعنى والانتماء. إنه اعتراف غير مباشر بأن النموذج الليبرالي، رغم نجاحاته الاقتصادية والسياسية، أخفق في بناء الإنسان المتوازن نفسيا واجتماعيا.
المفارقة تأتي من أن بعض المجتمعات الإسلامية تنشغل أحيانا بتقليد النموذج الغربي في أكثر مراحله ارتباكا، في الوقت الذي يبدأ فيه بعض الغربيين أنفسهم بالبحث خارج نموذجهم عن عناصر الثبات والمعنى.







