عوض يكتب: إستراتيجية الطاقة الجديدة في الوقت المناسب
أحمد عوض
إقرار إستراتيجية قطاع الطاقة في الأردن للأعوام 2025 - 2035 لم يكن نتيجة مباشرة للأزمة الإقليمية الراهنة، لأن العمل عليها سبق هذه التطورات. لكن توقيت إقرارها منحها دلالة إضافية، إذ جاء في لحظة تكشف فيها المنطقة مجددًا حجم الهشاشة التي تصيب الدول المستوردة للطاقة عندما تتصاعد الحروب، وتضطرب طرق الإمداد، وترتفع الأسعار بصورة حادة. من هنا، تكتسب الإستراتيجية أهميتها لا بوصفها رد فعل طارئًا، بل باعتبارها إطارًا استباقيًا للتعامل مع أزمة تتكرر بأشكال مختلفة.
المشكلة الأساسية في الأردن تتمثل في اعتماد مرتفع على الخارج لتلبية الجزء الأكبر من الاحتياجات الطاقية، مقابل محدودية الموارد التقليدية المحلية. هذه المعادلة تجعل الاقتصاد الأردني أكثر تعرضًا للصدمات الخارجية، سواء من حيث فاتورة الاستيراد أو كلف الكهرباء والنقل أو الضغوط على المالية العامة. وعندما تقع أزمة كبيرة كما نعايشه الآن، لا يبقى أثرها في حدود أسواق الطاقة، بل ينتقل سريعًا إلى الأسعار والنمو الاقتصادي والأهم يؤثر سلبًا على المستويات المعيشية.
لهذا تبدو الإستراتيجية محاولة لمعالجة أصل المشكلة، عبر مسارات متوازية تشمل زيادة الاعتماد على المصادر المحلية، ورفع مساهمة الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة الاستهلاك، وتطوير البنية التحتية، وخفض الفاقد، والتقدم في مشاريع الطاقة النظيفة. هذا الاتجاه مهم لأنه ينقل النقاش من إدارة الأزمة بعد وقوعها إلى تقليل التعرض لها قبل أن تبدأ.
لكن أهمية الإستراتيجية لن تُقاس فقط بقدرتها على تحسين المؤشرات الكلية أو تخفيف عبء الاستيراد، بل أيضًا بمدى انعكاسها على حياة المواطنين مباشرة. فواحدة من أبرز المشكلات اليوم أن كلفة استهلاك الطاقة على الأسر ما تزال مرتفعة جدًا، سواء في الكهرباء أو النقل أو الأثر غير المباشر الذي يظهر في أسعار السلع والخدمات. وإذا لم يشعر المواطن بأن هذه الإستراتيجية ستقود، تدريجيًا، إلى تخفيف فاتورته الشهرية وتحسين قدرته الشرائية، فإن قيمتها ستبقى بالنسبة إليه محصورة في الخطاب الرسمي لا في الواقع الملموس.
من هنا، يصبح من الضروري أن يرتبط تنفيذ الإستراتيجية بسياسات واضحة لخفض الكلفة على المستهلكين، لا الاكتفاء بتغيير مزيج الطاقة على المستوى الفني. كما تبرز الحاجة إلى مراجعة السياسات الجمركية والضريبية باتجاه تشجيع المواطنين على اقتناء السيارات الكهربائية، ضمن رؤية متوازنة تجعل التحول في قطاع النقل جزءًا من تخفيف العبء المعيشي، لا مجرد خيار لفئات محدودة. فكل توسع مدروس في استخدام المركبات الكهربائية، بالتوازي مع كهرباء أكثر استقرارًا واعتمادًا على مصادر محلية ومتجددة، يمكن أن يخفف كلفة النقل الفردي ويقلل استهلاك الوقود المستورد.
في الوقت نفسه، لا يجوز التعامل مع الإستراتيجية بروح احتفالية فقط على أهميتها، أو باعتبارها ضمانة تلقائية للنجاح. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة الأهداف، بل في القدرة على تحقيقها. وتنفيذ الإستراتيجية عبر مشاريع قابلة للتمويل، وبنية تحتية تستوعب التوسع في المتجددة والنقل الكهربائي، وسياسات تسعير أكثر عدالة ووضوحًا. كما أن نجاح أي تحول في الطاقة يحتاج إلى ثقة مجتمعية، وهذه لا تتولد من الإعلان عن الأهداف فقط، بل من رؤية نتائج ملموسة في الفاتورة والخدمة والكلفة.
في المحصلة، تمثل إستراتيجية الطاقة اتجاهًا صحيحًا لأنها تضع مسألة أمن الطاقة في إطار طويل الأمد، لا في حدود الاستجابة الظرفية. غير أن نجاحها سيبقى مرتبطًا بقدرتها على ربط أمن الطاقة بأمن المواطن المعيشي أيضًا. فحين تنخفض الكلفة، ويشعر الناس بأن التحول الطاقي ينعكس على حياتهم اليومية، تصبح الإستراتيجية سياسة عامة حقيقية، لا مجرد وثيقة طموحة.







