الحوارات يكتب: الاستعصاء الإيراني
د.منذر الحوارات
يعتقد كثيرون أن إيران الحديثة تشبه زعيمها الحاكم، أيّاً كان توجهه، فهي تنفتح بانفتاحه، وتنغلق بانغلاقه، غير أن الواقع أكثر تعقيداً، فعندما كان الشاه منفتحاً، كانت هناك إيران أخرى ترتدي البرقع وتتبنى خطاب الإمام الخميني، وعندما تسيدت الثورة الإسلامية، ظهرت أيضاً إيران مختلفة، تتطلع إلى نموذج مغاير، وقد أكدت الاحتجاجات الأخيرة عقب مقتل مهسا أميني على يد الباسيج أن إيران ليست كياناً واحداً، بل تحوي انقساماً عميقاً كامناً تحت السطح.
فعندما استهدفت الضربة الأميركية الأولى رأس الهرم القيادي في إيران، لم يكن التحدي الأول هو الرد العسكري، بل منع ظهور «إيران الأخرى»، لذلك سارع الحرس الثوري إلى السيطرة على المجال العام، ليس فقط لضبط الشارع، بل لمنع أي فراغ يمكن أن تستغله قوى داخلية لإعادة تشكيل النظام، لذلك احتلت الجماهير المؤيدة للنظام الساحات العامة منذ اللحظة الأولى وحتى الآن، هذه الخطوة، في حدّها الأدنى، أجهضت سيناريو التغيير السريع الذي راهنت عليه إسرائيل.
غير أن المشكلة لم تتوقف عند ذلك، فمع اغتيال المرشد الأعلى، تعقّدت مسألة إيجاد قيادة بديلة تمتلك الشرعية والقدرة على اتخاذ قرار تاريخي، وهو ما ادخل الولايات المتحدة في مأزق: من تفاوض؟ ومن يملك الجرأة على تقديم تنازلات كبرى؟ الشخصية التي تمتلك الإرث والشرعية لم تعد في موقع القرار، بينما ما تزال القيادات الجديدة في طور تثبيت شرعيتها، لا اختبارها بتقديم تنازلات مؤلمة.
هذا التحول أعاد تشكيل بنية النظام، فبدلاً من منظومة تدور حول مركز واحد، باتت إيران أقرب إلى نموذج تتوزع فيه مراكزُ القوة، فلم تعد مؤسسة المرشد هي المحور المطلق الذي تدور حوله المؤسسات، بل برزت مؤسسة الحرس الثوري الإيراني كقوة مركزية تمتلك أدوات عسكرية واقتصادية وأمنية واجتماعية، ما جعل القرار أكثر تعقيداً وأقل قابلية للحسم.
هذا الواقع خلق استعصاءً حقيقياً: نظام قادر على الصمود، لكنه عاجز عن اتخاذ قرار إستراتيجي حاسم فالتنازل في هذه اللحظة ليس خياراً سياسياً، بل مخاطرة وجودية قد تطيح بمن يقدم عليه، لذلك بدا التصلب خياراً منطقياً للقيادات الجديدة، ليس تعبيراً عن قوة بقدر ما هو محاولة لبناء الشرعية.
في المقابل، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام معضلة كبيرة، فقد نجحت في تحقيق تفوق عسكري واضح، لكنها فشلت في تحويله إلى مكسب سياسي، حاول دونالد ترامب خلق واقع تفاوضي عبر الضغط والتصريحات، لكنه اصطدم بحقيقة أن الطرف المقابل لا يملك قراراً مركزياً يمكن فرضه أو انتزاعه.
الإيرانيون، من جهتهم، عادوا إلى ما يجيدونه: إدارة الوقت، والمناورة، والالتفاف على الضغوط، فلديهم خبرة طويلة في التكيف مع العقوبات، عبر شبكات موازية لنقل النفط والتمويل والتسليح، ومع الحرب، أضافوا ورقة جديدة تمثلت في التحكم بمضيق هرمز، الذي تحول إلى أداة لرفع كلفة الصراع على العالم بأسره.
لكن هذه الورقة لم تكن حاسمة، فقد أدركت واشنطن خطورتها، فسارعت إلى الحد من تأثريها عبر تشديد الحصار البحري والضغط الاقتصادي، ما أفقدها جزءاً من فعاليتها، ومع ذلك، لم يؤدِّ ذلك إلى كسر الإرادة الإيرانية، بل إلى تعميق حالة الجمود.
هكذا، وجد الطرفان نفسيهما في حالة استعصاء: الولايات المتحدة قادرة على التصعيد، لكنها لا تملك شريكاً قادراً على التوقيع، وإيران قادرة على الصمود، لكنها غير قادرة على تقديم تنازلات كبرى، وبين هذا وذاك، تبقى المنطقة عالقة في حالة توجس خانق، حيث يستمر الضغط دون حسم.
أما اتجاهات المستقبل فهي مفتوحة على اتجاهين: إما أن يقتنع أحد الطرفين بحدود قدرته، فيتجه إلى تسوية تحفظ الحد الأدنى من مصالحه، أو يستمر الجمود، بما يحمله من مخاطر تصعيد عسكري جديد لكسر هذه الحالة، وحتى ذلك الحين، ستبقى المنطقة تدفع ثمن صراع إرادات، جوهره ليس فقط القوة، بل عجزها حتى الآن عن إيصال الصراع إلى نهاية واضحة، بالتالي فإن أخطر ما في هذا المشهد، ليس فقط استمرار الحرب، بل غياب من يستطيع تجرع كأس السم ويلجم نيرانها، وهذا يضع المنطقة أمام مفترق حاسم، إما ضربة عسكرية قاصمة تمكّن الولايات المتحدة من انتزاع مكسب سياسي بالقوة، أو تسوية مدروسة تُمنح فيها إيران بعض انتصار، مقابل تنازلات جوهرية تعيد رسم قواعد الاشتباك.







