التل يكتب: حكومة ترفع الأسعار وتوسّع المناصب

{title}
أخبار الأردن -

 

د.مصطفى التل


في مشهد يعكس حالة من الانفصام بين الخطاب الرسمي والمعاناة اليومية، تداول الأردنيون خلال الأيام الماضية خبرين متناقضين:

الأول: تعيين شخصية أكاديمية في منصب بأكاديمية أردنية برتبة وزير، مع ما يتبع ذلك من رواتب ومخصصات مالية.

الثاني: إعلان لجنة تسعير المشتقات النفطية عن رفع أسعار البنزين والديزل، وإن كان بشكل "جزئي" و"متدرج"، بحسب ما تقول الحكومة.

الحكومة تشرح أن قرار رفع الأسعار جاء بسبب ارتفاعات عالمية خارجة عن إرادتها، حيث قفز سعر برنت من 102 إلى 120 دولاراً للبرميل، أي بزيادة 17% في شهر واحد.

وتؤكد أنها لم تعكس كامل الكلفة على المواطن، بل تحملت دعماً مباشراً بقيمة 68 مليون دينار لتسعيرة شهر أيار، بالإضافة إلى 2.9 مليون دينار دعماً للقطاع الصناعي.

وتلفت النظر إلى أنها ثبتت سعر أسطوانة الغاز عند 7 دنانير رغم أن كلفتها الفعلية بلغت 12.22 ديناراً، وثبتت سعر الكاز عند 550 فلساً للتر رغم ارتفاعه عالمياً، وأنها عكست فقط 60% من زيادة البنزين 90 و16% من زيادة السولار.


كل هذا يبدو نظرياً  منطقياً ومسؤولا، وكأن الحكومة تقول: "نحن الدرع الواقي بين الأسعار العالمية وجيوبكم", لكن هناك سؤالاً صغيراً يائساً يدور في رأس كل مواطن أردني: من الذي يحمي جيبي من أخطائكم الإدارية ومن توسعكم في المناصب العليا؟!

المواطن الذي يستيقظ ليجد أن لتر البنزين 90 أصبح بـ 1000 فلس (أي دينار كامل)، وأن لتر البنزين 95 أصبح بـ 1310 فلساً، والديزل بـ 790 فلساً، ثم يقرأ أن أجور النقل العام ارتفعت بين 5 و10 قروش، لا يهمه كثيراً أن الكلفة العالمية 1061 فلساً للتر من بنزين 90 وهو يشتريه بـ 1000 فلس.

ما يهمه هو الفرق بين راتبه الشهري الذي لا يتجاوز 400 أو 500 دينار( هذا ان حالفه الحظ بوظيفة ) ، وبين فاتورة مواصلاته وطعامه التي تقفز للأعلى كل شهر.

المشكلة الأكبر ليست في أن الحكومة ترفع الأسعار، فهذا قد يكون مضطراً إليه، بل في أنها ترفع الأسعار وتطلب من الشعب "أن يزحف على بطنه" ويتفهم الظروف العالمية، بينما في الوقت نفسه تواصل تعيين شخصيات برتب وزراء ورواتب وميزات كبرى  في مؤسسات وأكاديميات لم يسمع بها كثير من الناس.

أليس من الممكن أن يتم تجميد هذه التعيينات الرفيعة خلال فترة الأزمة، وتحويل ما يقارب 3-5 آلاف دينار من راتب وزير واحد لدعم 100 أسرة فقيرة بمبلغ 30-50 ديناراً شهرياً لتخفيف آثار ارتفاع المحروقات عنهم؟!

أليس من الأخلاقيات الحكومية أن تقول للمواطن: "نحن نقسو على أنفسنا أولاً قبل أن نقسو عليكم"، بدلاً من أن تظهر وكأنها توسّع مناصب النخب بينما تطلب من الفقراء "التفهم"؟!

الحكومة تتفاخر بأنها تحملت دعماً بـ 68 مليون دينار على المحروقات، وهذا جيد، لكن السؤال: أين هذا الدعم من المواطن العادي؟! هل يصل إليه عبر خفض الضرائب على السلع الأساسية؟! أم عبر تحويلات نقدية مباشرة للأسر المتضررة؟! أم أنه يختفي في فجوات إدارية وفواتير رواتب لم تعلن عنها؟ !

والأغرب أن الحكومة تقول إن الزيادة على أسعار البيع لا تؤثر على العوائد الضريبية، وهذا يعني أن المواطن يدفع ضرائب على سعر أعلى، أي أن الخزينة تستفيد من الأزمة نفسها!

بمعنى: عندما يرتفع سعر البنزين عالمياً، ترتفع الإيرادات الضريبية للحكومة، فلماذا لا تُستخدم هذه الإيرادات الإضافية لدعم المحتاجين مباشرة بدلاً من استخدامها لتمويل مناصب عليا جديدة؟!

المواطن الأردني ليس غبياً، ويدرك أن هناك أزمة عالمية، وأوكرانيا، وغزة، وايران , وهرمز , وإقليمياً مضطرباً,  وهو ليس ضد أن ترفع الحكومة الأسعار بشكل مدروس، لكنه ضد أن تُطلب منه التضحية وحده.

يريد أن يرى حكومة تبدأ بنفسها: تلجم جماح رواتب كبار موظفيها، توقف التعيينات الجديدة في المناصب العليا خلال الأزمات، تنشر فواتير رواتبها بشفافية، وتعلن أن وزيراً أو مسؤولاً تنازل عن جزء من راتبه تضامناً مع الشعب.

إذا رأى المواطن هذا المشهد، لربما قال: "نعم، نحن في خندق واحد",  أما أن ترى الحكومة تعلن أن الكلفة الفعلية للغاز 12.22 ديناراً وتبيعه بـ 7 دنانير وتعتبر ذلك "دعماً"، بينما تدفع رواتب كبرى  لتعيينات جديدة، فهنا يكمن الاستفزاز.

. واجب الحكومة هو ضمان كرامة المواطن، وليس فقط إدارة أزمة الأسعار العالمية بمنطق محاسبي بارد, الكرامة تعني أن يشعر المواطن أن الحكومة تتحمل العبء الأكبر، وليس هو.

الكرامة تعني تجميد التعيينات الرفيعة والرواتب الفلكية في زمن الأزمات، وإعادة توجيه كل قرش لدعم الشبكة الاجتماعية للأسر المتضررة.

أما الاستمرار في سياسة "نحن ندعمكم بـ 68 مليوناً، لكننا نعين وزيراً جديداً، ونرفع الأسعار عليكم جزئياً"، فهي وصفة مؤكدة لتفجير الغضب الاجتماعي.

المطلوب الآن أفعال، لا أرقاماً وتفاسير,  المطلوب حكومة تقول: "سنعاني معكم، ولن نطلب منكم تضحيات لا نقدمها نحن أولاً".

فهل سنرى ذلك؟!  الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية