ملكاوي يكتب: كرم حلوم.. حوار جريء وإعلام مختلف

{title}
أخبار الأردن -

 

موفق ملكاوي


رغم كثرة السخف والخفة على امتداد مساحة المحتوى العربي الرقمي، إلا أن ذلك لا يمنع وجود محتوى جاد وعميق ومؤثر، يحاول أن يصنع الفرق في ما ابتلينا به في زمن تتكاثر فيه المنصات التي لا تحمل أي معنى.
 

أتابع، ومنذ فترة، محتوى الإعلامي اللبناني كرم حلوم من خلال قناته على يوتيوب، الذي يقدم برامج حوارية يستضيف فيها أشخاصًا مختلفين، ويناقش معهم مواضيع جريئة وحساسة في الدين والطوائف والعلاقات الاجتماعية، والقضايا السياسية أو الفكرية الحساسة، من خلال أسئلة تعتبر «محرمة» في الإعلام التقليدي، ما يجعل محتواه جدليًا بامتياز.
الأسلوب المباشر والصريح الذي ينتهجه حلوم، يغيب عنه التصنع والصخب واللغة التي تتغذى على الإثارة بديلًا عن الفكرة، لكنه أسلوب يراعي دور السؤال الدقيق القادر على الوقوف في المنطقة الصحيحة لاستنطاق المعرفة بعيدًا عن الترفيه الأجوف.
تجربة كرم حلوم يمكن قراءتها بوصفها محاولة جادة لاستعادة صورة الإعلامي الذي يعرف ماذا يفعل، لذلك، فهو لا يكتفي بإدارة الوقت أمام الكاميرا، وإنما يقترب من صورة الباحث المحمّل بفرضيات وقراءات عديدة، وبنية ذهنية تجعله قادرًا على تفكيك الإجابات.
اللافت في أدائه، هو ذلك الإحساس العالي بالثقة بعيدًا عن الاستعراض القاتل، وهي ثقة متأتية من المعرفة التي تتجاوز نبرة الصوت نحو القدرة على الإمساك بخيط الحوار، ومنع الضيف من تحويله إلى مساحة هروب.
في كثير من المقابلات، يبدو واضحًا أن الضيف يغادر منطقة الراحة، ويجلس في مقعد مساءلة حقيقية، لاختبار قدرة الأفكار على الصمود أمام أسئلة مختارة بعناية وذكاء، تتخطى مساءلة القدرة على الإقناع الخطابي.
في حواراته، تتجلى واحدة من أهم سمات تجربته، وهي غياب «التقية» بالمعنى الواسع، سواء كانت دينية أو سياسية أو اجتماعية، فهو لا يحاول إرضاء جمهور بعينه، ولا يوازن بين المتناقضات لتحقيق معادلة افتراضية من الحياد. ولكنه يعمد إلى اختبار قناعات واضحة يضعها في مواجهة قناعات الآخر، وفي مساحة مكشوفة لا تحتمل التجميل.
هذه الصراحة هي عودة إلى جوهر العمل الإعلامي، وإلى وظيفة السؤال كأداة كشف تبتعد عن الترويج الفج والمجاملة الباردة، لذلك، فهو لا يسمح لضيوفه بالاحتماء خلف اللغة العامة أو المساحات الرمادية، فكلما حاول الضيف الالتفاف على الإجابة، غالبًا ما يعيده إلى النقطة الأصلية، مضيقًا عليه بسؤال أكثر تحديدًا.
جرأته ليست معزولة عن المعرفة، فالإعلامي الذي يضع ضيفه في زاوية ضيقة من دون أن يمتلك أرضية معرفية صلبة، يتحول بسهولة إلى محقق استعراضي. أما حين تكون الأسئلة مبنية على فهم وقراءة للسياق، فإنها تخلق مواجهة حقيقية مع الأفكار.
كرم حلوم يمثل نموذج الإعلامي المثقف، وهو نموذج نادر في الفضاء العربي المعاصر، حتى أن بنية الإعلام السائد لم تعد تطلب هذا النوع من الأداء. المنصات اليوم تميل إلى السرعة والاختزال، وإلى إنتاج محتوى سريع الاستهلاك. لكن حلوم يختار أن يبطئ الإيقاع، وأن يمنح الفكرة وقتها، مراهنًا على جمهور قادر على المتابعة.
حلوم يحظى بمتابعة واسعة، ما يدلل على صوابية رهانه بأن هناك عطشًا حقيقيًا لدى الجمهور لنمط مختلف من الحوار، يكون قادرًا على مغادرة منطقة عرض المواقف، نحو السعي إلى تفكيكها. وربما لهذا السبب تحديدًا، يثير محتواه هذا القدر الكبير من الجدل، خصوصًا أن جرأته تكشف هشاشة كثير من الخطابات التي اعتادت أن تمر من دون مساءلة، ما يؤشر إلى إمكانية استعادة معنى الإعلام الذي لا يختبئ خلف الحياد الزائف، ولا ينجر إلى الشعبوية.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية