الفرجات يكتب: الحلقة المفقودة: سواقو الأردن بحاجة لإعادة تأهيل مروري قبل تشغيل الكاميرات

{title}
أخبار الأردن -

 

كتب أ.د. محمد الفرجات

الجدل الدائر في الأردن حول كاميرات رصد المخالفات لا يبدو عابرًا، بل يعكس احتكاكًا حقيقيًا بين نظام رقابي متقدم وسلوك مروري لم يتطور بالوتيرة ذاتها.

بين من يرى في الكاميرات أداة ضرورية لضبط الشارع، ومن يصفها بأنها عبء إضافي على المواطن، تضيع الحقيقة الأهم: هل السائق الأردني مهيأ أصلًا لمرحلة “الضبط الذكي”؟

السؤال ليس استفزازيًا، بل واقعي: هل يمكن تطبيق منظومة رقابية دقيقة على مجتمع قيادته ما زالت تعتمد إلى حد كبير على ردّات الفعل، لا على قواعد راسخة؟

المعرفة التي تُنسى… والسلوك الذي لا يتشكل
عند الحصول على رخصة القيادة، يمر السائق بامتحان نظري يتضمن مفاهيم أساسية: التتابع الآمن، استخدام الغماز، الالتزام بالمسرب، احترام السرعات المحددة، أولوية المشاة، قراءة الشواخص.

لكن ما يحدث عمليًا أن هذه المعرفة تُحفظ لاجتياز الامتحان، ثم تتلاشى تدريجيًا في غياب التطبيق والرقابة الواعية.
فتتحول القيادة إلى سلوك يومي تحكمه “الفزعة”:
تغيير مفاجئ للمسرب دون إشارة
لصق خطير بالمركبة الأمامية
استخدام دائم للمسرب الأيسر
تجاهل فعلي لحقوق المشاة
قراءة انتقائية لإشارات المرور

هذه ليست استثناءات، بل نمط عام يعكس فجوة بين القانون والتطبيق.

الكاميرات… حل تقني لمشكلة سلوكية
لا جدال في أن الكاميرات أسهمت في الحد من بعض المخالفات الخطرة، خاصة السرعة وقطع الإشارة. لكنها، في جوهرها، أداة تقنية. والتقنية—مهما بلغت دقتها—لا تعالج خللًا سلوكيًا متجذرًا دون بيئة داعمة.

حين تُفرض الكاميرات على سائق لم يُدرّب جيدًا على “لماذا” يلتزم قبل “كيف” يلتزم، تتحول من وسيلة إصلاح إلى مصدر توتر. ويصبح الالتزام رد فعل مؤقتًا خوفًا من المخالفة، لا قناعة دائمة.

هل التأهيل ضرورة أم ترف؟
إعادة تأهيل السائقين ليست فكرة مثالية أو رفاهية، بل ضرورة عملية إذا أردنا عدالة وفعالية في آن واحد. فكما لا يمكن تشغيل نظام صحي متقدم دون تدريب الكوادر، لا يمكن فرض نظام مروري ذكي على قاعدة بشرية لم تُجهز معرفيًا وسلوكيًا.

إعادة التأهيل لا تعني التشكيك في كفاءة الجميع، بل الاعتراف بأن:
أنماط القيادة تغيّرت
حجم المركبات والطرق ازداد
المخاطر أصبحت أعقد
والتكنولوجيا (مثل الكاميرات) فرضت معايير أعلى

ما الذي نحتاجه فعليًا؟
المطلوب ليس إيقاف الكاميرات، بل موازنتها مع بناء الإنسان:
1. برامج إلزامية مبسطة عند تجديد الرخصة
جلسات قصيرة أو محتوى رقمي يذكّر بأساسيات القيادة، مدعوم بأمثلة واقعية من الشارع الأردني.

2. رفع مستوى اختبار القيادة
التركيز على السلوك الفعلي، لا مجرد الحفظ. كيف يقود السائق تحت الضغط؟ كيف يلتزم بالمسرب؟ كيف يتعامل مع المشاة؟

3. توحيد البيئة المرورية
إشارات واضحة، سرعات منطقية، عدم وجود “مفاجآت” تجعل السائق يشعر بأنه في فخ.

4. خطاب توعوي ذكي
الانتقال من التخويف إلى الفهم: لماذا التتابع الآمن مهم؟ لماذا المسرب الأيسر ليس حقًا دائمًا؟ لماذا الغماز ليس خيارًا؟

5. إدماج الثقافة المرورية مبكرًا
من المدارس، حيث تُبنى العادات قبل أن تُكتسب الأخطاء.

العدالة بين الردع والتأهيل
العدالة لا تتحقق فقط بتطبيق القانون، بل بتوفير شروط الالتزام به. 
لا يمكن أن نطالب سائقًا لم يُدرّب بشكل كافٍ على تفاصيل القيادة الآمنة أن يلتزم فورًا تحت رقابة صارمة، دون مرحلة انتقالية تُعيد تشكيل سلوكه.

الكاميرات قد تضبط المخالفة، لكنها لا تُنشئ ثقافة.
والثقافة المرورية هي الضامن الحقيقي للاستدامة.

نعم، نحن بحاجة إلى كاميرات.
لكن قبل ذلك—وبالتوازي معه—نحن بحاجة إلى إعادة تأهيل حقيقية للسائقين.
لأن المشكلة في الأردن ليست فقط من يُخالف…
بل كيف نقود أصلًا.
وعندما نُعيد بناء السلوك، لن تكون الكاميرا عبئًا، بل شاهدًا على نضج الطريق.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية