التل يكتب: هل هو استبدال مؤسسي أم تطوير؟ معهد الإدارة العامة نموذجًا

{title}
أخبار الأردن -

 


د.مصطفى التل

في زمن تعاني فيه الموازنة الأردنية من عبء المديونية، ويعاني المواطن من غلاء معيشة وبطالة تجاوزت اثنين وعشرين بالمئة، يبقى السؤال المشروع: لماذا تصر الحكومة على تفكيك مؤسسات وطنية عريقة تحت عنوان "التطوير والتحديث"، بدلًا من العمل على إصلاحها وتطويرها؟!


قضية معهد الإدارة العامة، الذي يُجرى تقليصه وتمهيد الطريق لاستبداله بما يسمى "أكاديمية الإدارة الحكومية"، ليست مجرد قضية إدارية عابرة ,  إنها نموذج صارخ لظاهرة تعرف في أدبيات الإدارة العامة باسم "الاستبدال المؤسسي"، وهي ظاهرة تهدد الذاكرة الوطنية والتراكم المعرفي، وتقوض أسس البناء المؤسسي الرشيد.

قبل عقود كان معهد الإدارة العامة الأردني يمثل نموذجًا رائدًا للتميز الإداري على مستوى المنطقة ,  خرّج آلاف الكوادر التي حملت العلم الأردني إلى دول الخليج والعالم العربي، وساهمت في بناء أنظمة إدارية متطورة, كان المعهد تجسيدًا حيًا لمفهوم "الدولة المؤسسية"، القائمة على الإيمان بالتراكم المعرفي والاستثمار في رأس المال البشري.


اليوم، هذا المعهد يُهمّش ويُقلص، تحت حجة أن النموذج القديم لم يعد يواكب الرقمنة، ولا يغطي سوى عشرين بالمئة من الموظفين.

ولكن السؤال الذي يظل بلا إجابة: هل كان هدم المعهد ضرورة حتمية لتحقيق التطوير، أم كان من الممكن تحديثه وتوسيع برامجه؟!


في علم الإدارة العامة  فرق كبير بين "التطوير المؤسسي" و"الاستبدال المؤسسي":

فالتطوير يعني تحسين أداء المؤسسة القائمة مع الحفاظ على هويتها وخبراتها,  أما الاستبدال فيعني حل المؤسسة القديمة وبناء أخرى جديدة، مع فقدان كل ما تراكم من معرفة وخبرات.


ما يحدث لمعهد الإدارة العامة هو استبدال واضح، وليس تطويرًا، من خلال تغيير الاسم، وإعادة الهيكلة بالكامل، وغياب أي دراسة تثبت عدم قابلية المعهد للتطوير.


غير أن هناك تفصيلًا دقيقًا يستحق التوقف عنده ,  فقد قرر مجلس الوزراء نقل مدير عام معهد الإدارة العامة من منصبه السابق ليشغل موقع الأمين العام للأكاديمية الجديدة.

هذا القرار يحمل وجهين متعارضين :

الوجه الإيجابي أنه يحافظ على بعض الاستمرارية المؤسسية، ويُبقي على كفاءة إدارية كانت تدير المعهد القديم في موقع مماثل في الأكاديمية الجديدة ,  وهذا قد يشير إلى أن الحكومة تدرك قيمة الخبرة المتراكمة لدى كوادر المعهد، وتحاول الاستفادة منها بدلاً من تهميشها بالكامل.

ولكن الوجه الآخر، والأكثر أهمية من منظور تحليل القرار:  هو أن هذا النقل يؤكد أن مشكلة المعهد لم تكن في إدارته أو كفاءاته، وإلا لما تم نقل مديره العام إلى منصب موازٍ في الأكاديمية الجديدة.

فإذا كان المدير العام كفؤًا بما فيه الكفاية لينقل إلى الأكاديمية، فلماذا لم يكن كفؤًا بما فيه الكفاية لتطوير المعهد القديم بدلاً من حله؟!  وإذا كان المعهد بحاجة إلى الحل بسبب ضعف أدائه، فكيف يُنقل مديره العام إلى منصب رفيع في البديل؟ !

هذا التناقض يكشف أن قرار حل المعهد لم يكن مبنياً على تقييم موضوعي لأدائه أو أداء إدارته، بل على اعتبارات أخرى لا علاقة لها بالكفاءة.


الأكثر من ذلك أن هذا النقل، بقدر ما يحافظ على شخص واحد من كوادر المعهد، فإنه يتجاهل باقي الكوادر التي قضت عقودًا في خدمة المؤسسة,  فما مصير المئات من المدربين والخبراء والإداريين الذين عملوا في معهد الإدارة العامة؟!  هل سيجدون مواقع لهم في الأكاديمية الجديدة؟! أم أن مصيرهم التقاعد المبكر أو النقل إلى وظائف لا تتناسب مع خبراتهم؟! هذه الأسئلة تظل بلا إجابة، وهي جوهر القضية الإنسانية والمهنية في هذا الاستبدال المؤسسي.


وعندما اطمئن المواطن إلى أن الأكاديمية الجديدة قد تكون فرصة حقيقية للتطوير، جاءت تفاصيل تشكيل مجلس الأمناء لتثير علامات استفهام كبرى ,  فبعد حل المعهد، تم تشكيل مجلس أمناء للأكاديمية برئاسة رئيس الوزراء، وتم تعيين رئيس للأكاديمية من حملة تخصص التاريخ، وليس الإدارة العامة أو أي تخصص ذي صلة مباشرة بطبيعة عمل أكاديمية تهدف إلى تطوير الإدارة الحكومية.

هذه ليست المفارقة الوحيدة, فعند التدقيق في تركيبة مجلس الأمناء، تبرز حقائق أكثر إثارة للاستغراب:

ضم المجلس وزيرة سابقة، ولكن مؤهلاتها الأكاديمية كانت في علم الكمبيوتر وإدارة الأعمال، وليس في الإدارة العامة.

ضم مصرفيًا ورجل أعمال يقود أحد البنوك الكبرى، حاصلًا على ماجستير في إدارة الأعمال من جامعة عالمية وبكالوريوس في الاقتصاد، وخبرته كلها منحصرة في القطاع الخاص المصرفي والاستثماري، وليس له أي حضور يذكر في مجال الإدارة العامة.

ضم المجلس أيضًا أكاديمية متخصصة في الدراسات الدبلوماسية والسياسة الدولية، حاصلة على الدكتوراه من جامعة عالمية، ولها خبرة في العمل الأممي في مجالات الحوكمة وسيادة القانون، وهي الأقرب بين الأعضاء إلى مجال الإدارة العامة، ولكن تخصصها الأساسي يظل بعيدًا عن صلب علم الإدارة العامة.

إلى جانب هؤلاء، ضم مجلس الأمناء رئيس جامعة أردنية خاصة، ورئيس جمعية المهارات الرقمية، ورئيس هيئة المديرين لجمعية شركات تكنولوجيا المعلومات , وهذه إضافة إيجابية من حيث إدخال الخبرات التقنية والأكاديمية، ولكنها تكشف في الوقت نفسه عن غياب شبه تام لخبراء الإدارة العامة الحقيقيين، أي أولئك الذين أمضوا حياتهم في دراسة وتطبيق وتدريس هذا العلم.


وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف يُعهد بتطوير الإدارة الحكومية إلى مجلس أمناء لا يضم بين أعضائه متخصصًا واحدًا في الإدارة العامة؟! كيف يمكن لهذا المجلس أن يرسم سياسات تدريب وتأهيل الكوادر الحكومية وهو يفتقر إلى الخبرة الأساسية في هذا المجال؟!


الأكثر إثارة للدهشة أن مجلس الأمناء، على اتساع عضويته وتنوع خلفيات أعضائه، يخلو تمامًا من أي ممثل عن كوادر معهد الإدارة العامة القديم، باستثناء مديره العام الذي نُقل إلى منصب الأمين العام, بقية الخبراء الذين قضوا عقودًا في المعهد واكتسبوا خبرات تراكمية هائلة في مجال تدريب وتأهيل الكوادر الحكومية، لم يُضم أي منهم إلى مجلس الأمناء.


هذا يؤكد أن الأمر ليس مجرد استبدال مؤسسي، بل هو قطيعة شبه كاملة مع الماضي، وتهميش شبه تام للخبرات الوطنية، مع الحفاظ على قيادة إدارية واحدة فقط ربما لضمان الحد الأدنى من الاستمرارية أو لتمرير القرارات دون عوائق.


إن تعيين رئيس أكاديمية الإدارة الحكومية من حملة تخصص التاريخ، وتشكيل مجلس أمناء يخلو من أي متخصص حقيقي في الإدارة العامة، مع نقل مدير عام المعهد القديم إلى موقع الأمين العام للأكاديمية الجديدة، كلها إشارات متضارب:
فمن جهة، هناك اعتراف غير مباشر بقيمة الخبرة الإدارية من خلال إبقاء مدير عام المعهد القديم.


ومن جهة أخرى، هناك تجاهل تام لهذه الخبرة من خلال عدم إشراكها في مجلس الأمناء، ومن خلال تعيين قيادة عليا غير متخصصة. هذا التناقض يكشف أن القرارات لم تكن مبنية على رؤية متكاملة لتطوير القطاع العام، بل على اعتبارات آنية وتوازنات داخلية لا علاقة لها بالكفاءة والاختصاص.


إن ما يحدث ليس مجرد استبدال مؤسسي يهدر المال العام والتراكم المعرفي، بل هو أيضًا رسالة متناقضة حول قيمة الخبرة والكفاءة,  فمرة يُقال إن المعهد القديم لم يعد صالحًا فيتم حله، ومرة يُنقل مديره العام إلى منصب رفيع في البديل, ومرة يُقال إن الأكاديمية الجديدة ستطور الإدارة الحكومية، ومرة يُعهد بها إلى غير المتخصصين , ومرة يُقال إن الكوادر الوطنية هي أساس التطوير، ومرة يتم تهميشها وإقصاؤها من مواقع القرار.


ليس المطلوب تقديس الماضي أو التمسك بالمؤسسات القديمة مهما تقادم عهدها، فالتطوير والتحديث واجب وضرورة ,  ولكن التطوير الحقيقي يبدأ من الاعتراف بقيمة التراكم المؤسسي والبناء عليه، لا من هدمه.

كما يبدأ من الاعتراف بأن لكل مجال متخصصيه، وأن الإدارة العامة علم قائم بذاته يحتاج إلى خبرائه ,  كما يبدأ من الاتساق بين الأقوال والأفعال، وعدم التناقض في تقييم الكفاءات والخبرات.


البديل واضح : وقف فوري لقرار حل معهد الإدارة العامة، وتشكيل لجنة تقييم مستقلة تضم متخصصين في الإدارة العامة وخبراء وطنيين من داخل المعهد وخارجه، وتحديث هيكل المعهد ومناهجه مع الحفاظ على كوادره وخبراته المتراكمة بالكامل، وإذا أصرت الحكومة على تغيير الاسم أو تشكيل مجلس أمناء، فليكن ذلك مع الحفاظ على جميع الكوادر، ومع إضافة متخصصين حقيقيين في الإدارة العامة إلى مجلس الأمناء.


أما الاستمرار في هدم المؤسسات القديمة تحت عنوان التحديث، وتعيين غير المتخصصين لقيادة البدائل، وتشكيل مجالس أمناء خالية من الخبراء الحقيقيين، مع إبقاء بعض الكوادر القديمة في مواقع تنفيذية دون تمثيل في صنع القرار، فذلك ليس تطويرًا,  إنه أقرب للقطيعة  الممنهجة  للتراكم المؤسسي الأردني، والمواطن هو الخاسر الأكبر في كل مرة.

فإلى متى سيظل "التحديث" غطاءً للقطيعة مع المؤسسية  والتخصصية والتراكمية الأردنية ؟!

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية