حياصات يكتب: عندما ينهار النص… تتشوه السردية

{title}
أخبار الأردن -


أ.د. علي حياصات 
الجدل الذي رافق أغنية عمر العبداللات الاخيرة (وعلامكي وشلونكي) لم يكن مبالغاً فيه كما يحاول البعض تصويره، بل كان رد فعل طبيعياً على خلل واضح. المشكلة ليست في اللهجة الكركية، ولا في حق أي فنان باستخدامها، لكن في الطريقة التي قُدِّمت بها بلا سياق، بلا روح، وبلا حد أدنى من البناء الفني.
ما قُدِّم ليس إحياءً للتراث، بل تبسيط مخلّ له. فاللهجة ليست مجموعة مفردات تُلتقط وتُرصّ لإثارة الانتباه، بل هي نظام ثقافي كامل، يحمل ذاكرة وهوية وإيقاعاً خاصاً. وعندما تُفصل الكلمات عن هذا السياق، تتحول إلى مادة أقرب إلى الاستعراض أو الكاريكاتور، حتى لو كانت أصيلة في كلماتها.
الخطأ الأكبر كان في محاولة حصر القضية في أغنية واحدة، وكأنها استثناء. الحقيقة أن ما حدث يكشف أزمة أعمق، أزمة نص وإبداع في الأغنية الأردنية. لم تعد المشكلة في الصوت أو الإنتاج أو الانتشار، بل في غياب الكلمة التي تُحترم، واللحن الذي يُبنى، والعمل الذي يُفكَّر فيه ككل متكامل.
وهنا يصبح النقاش أكثر خطورة عندما نربطه بما يُطرح اليوم حول (السردية الوطنية الأردنية). فكيف يمكن الحديث عن سردية وطنية متماسكة، في ظل ضعف الأدوات الثقافية التي يفترض أن تحملها؟ السردية لا تُصاغ في البيانات الرسمية وكتابتها فقط، بل تُبنى في الأغنية، في القصيدة، في العمل الفني الذي يصل إلى الناس ويشكّل وعيهم وتراثهم.
التجارب الناجحة في المنطقة لم تُبنَ على الخطاب وحده، بل على نصوص قوية كتبها مبدعون حقيقيون. في الحالة المصرية مثلاً، لم تكن قوة الأغنية في الصوت فقط، بل في الكلمة التي كتبها الأبنودي، أو نجيب سرور، أو غيرهم ممن امتلكوا القدرة على التعبير عن المجتمع المصري بصدق وعمق. وعندما ضعف النص، فقدت الأعمال جزءاً كبيراً من قيمتها، مهما كان اسم الفنان.
في الأردن، المشكلة لم تعد في نقص المواهب، بل في غياب البيئة التي تحترم الإبداع الحقيقي. أصبحنا أمام إنتاج سريع، يراهن على الانتشار لا القيمة، وعلى لفت الانتباه لا بناء المعنى. وفي هذا السياق، تتحول اللهجات والتراث إلى أدوات استهلاك، لا إلى مصادر إلهام.
لذلك، فإن الغضب من هذه الأغنية مفهوم، ليس لأنها (أساءت) بحسب وجهة نظر البعض، لكن لأنها عكست واقعاً مقلقاً، تراجع الحس الإبداعي، وغياب النص القادر على حمل الهوية التراثية كما يجب.
المسألة لم تعد ذوقاً فنياً مختلفاً، بل سؤالاً عن قدرتنا على تمثيل أنفسنا ثقافياً. فحين يضعف النص، لا يضعف العمل الفني فقط، بل تتشوه السردية التي نحاول بناءها حاليا.
باختصار، المشكلة ليست في أغنية فشلت، بل في سياق يسمح بتكرار هذا الفشل دون مراجعة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية