كراجة يكتب: هل الجبهة الداخلية بخير؟
سائد كراجة
اثنان سقطت مصداقيتهما في عصرنا هذا سقوطًا مريعًا: ترامب، ووسائل التواصل الاجتماعي، وقضى على ما تبقى من “المصداقية” الذكاء الاصطناعي، والذي يكاد أن يلغي صدق ما تشهده العين وما تسمعه الأذن، حتى وصلنا لمرحلة فقدنا فيها الواقع، أو بالأحرى، فقدنا قدرة الحكم على وجوده الحقيقي.
لو أن ما نسمعه من تنابز بالألقاب وتبادل أحقاد سياسية واجتماعية كان حقيقيًا وأصيلًا في الوعي الجمعي، لكان ذلك مؤشرًا خطيرًا على انقسام أفقي وعمودي لا تخفى آثاره المدمرة على أي عاقل!
ولكن أصوات العقلاء في الفضاء والواقع الأردني كثيرة وأصيلة، تمثل جميع أطياف الشعب، فإن نظرت من حولك ترى الناس على قدر عالٍ من الوعي وإنكار صارم لـ”ترندات” جماعة داحس والغبراء.
نعم، الأصوات العاقلة موجودة، لكن ليس لها في زحمة وسائل التناحر الاجتماعي سوق رائج، فالطلب عميم على خطاب الفتنة والعنصرية والجهوية، وعلى هذا تتغذى الخوارزميات التي تروج له وتجعله “ترند”، حتى يخيل لك أنك في ساحة فطريات تهدد بجدري ماحق، وكل ذلك لاستخدام الترندات في الترويج أو الدعاية أو كسب المال من تعاظم أتباع الحسابات.
ولكن دعونا نصارح أنفسنا بسؤال دقيق: كيف لشاب أو شابة في مقتبل العمر، لم يشهد ولم يعايش أي توتر اجتماعي فيه، أن يحمل هذا الكم المقلق من الحقد والخوف والتوجس؟ من يغذي أفكار الشك ومقولات الإدانة؟ سؤال أساسي برسم البحث والإجابة.
قد يكون صحيحًا جزئيًا أن وسائل التواصل تتبع الإثارة والإشاعة أكثر من الخبر الموضوعي، لكن هذا فهم قاصر. شيوع خطاب الكراهية مؤشر خطير على غياب ثقافة المواطنة ومقوماتها، وما ترتبه من واجبات قانونية، ومع أن القانون الأردني جرم هذا الخطاب في مواد عدة (كالمادة 150 من قانون العقوبات والمادة 17 من قانون الجرائم الإلكترونية)، لكن الأهم من النص القانوني وتوقيف هذا أو تلك هو نشر ثقافة المواطنة والتمسك بسيادة القانون حتى مع من يخالفه، ونشر الوعي بالمخاطر التي تحيق بالمجتمع، فتقرير مرصد “أكيد” (معهد الإعلام الأردني) لعام 2025، رصد تسجيل 1103 إشاعات، بزيادة 212 عن العام السابق، 96 % منها مصدرها وسائل التواصل، مما يؤكد أن الترندات لا “تخلق” الفتنة من عدم، بل تستغل فراغًا معلوماتيًا موجودًا أصلًا.
الجبهة الداخلية في خطر ليس لوجود انقسام فعلي على الأرض، بل لأننا لا نمكنها بمرتكزات قوتها الحقيقية، فلم نعد ننادي لبناء وإدامة ثقافة المواطنة بين الناس، وخاصة في المدارس والجامعات، ولم تعد الأولوية تقديم نموذج ومصدر معلومات موضوعية وصادقة وشجاعة، ففلسفة “خبي” على الناس ما عادت فاعلة، بل أصبحت مصدرًا أساسيًا لانهيار الثقة بالمصدر الرسمي للمعلومة!
إن البناء الحقيقي يبدأ من الطالب والشاب في المدارس والجامعات وليس من خمسيني يدخل السياسة أملًا في منصب. ويبدأ هذا البناء عمليًا بشجاعة الحكومات واحترام المواطن والثقة به وتدريبه على أنه جزء من معادلة الوعي وليس متلقيًا لجرعات محضرة مسبقًا!
يمسي استمرارُ الحديث عن أهمية الجبهة الداخلية، مع إهمال بنائها في الجيل الجديد على قيم القانون والمواطنة واحترام التنوع- هو الخطر الأعظم. فالدراسات تُظهر أن دورَ الجامعات في بناء الوعي الوطني والسياسي لا يزال متواضعًا، وأن تبادُلَ عدم الثقة وغيابَ نموذجٍ شجاعٍ وصادقٍ ومتواصل يدفعان الناس إلى تبنّي نموذج غير موضوعي في بناء وعيهم.
لا يجوز أن نركن إلى رصيدِ وعيٍ انقطعنا عنه في مهمةٍ مستمرة مثل بناء جيلٍ قائمٍ على التنافسِ الخير في خدمة الأردن والإنسان. الجبهةُ الداخلية في خطرٍ بقدر ما يستمر إهمالها بناءً ووعيًا واستشعارًا بالمخاطر التي تحيط بالأردن. أما الزبدُ فيذهب جفاءً. ولكن يجب أن نحرص على وجود ما ينفع الناسَ ليبقى في الوطن جنابك!







