خطاطبة يكتب: حل الدولتين.. تخدير الذهنية العربية
محمود خطاطبة
ثمة فكرة تستحق التوقف عندها، فالعالم لا يفشل دائمًا في حل الأزمات، بل ينجح في إبقائها حية، يضبط إيقاعها، يُخفف حدتها حينًا ويتركها تتصاعد حينًا آخر، لكنه نادرًا ما يذهب إلى نهايتها، خصوصًا في المناطق التي يُراد لها أن تظل ساخنة ومُشتتة.
في هذا الإطار تحديدًا، يُمكن فهم الإصرار الدولي على حل الدولتين، بوصفه مشروعًا حيًا توافق عليه العالم مرات عدة، بل كأداة تنظيم للصراع نفسه، أي أن «حل الدولتين»، عبارة حمالة أوجه في وظيفتها، تُرضي الضمير أيًا كان العربي، الإسلامي، العالمي، لكنها من بعد ذلك تُبقي على الواقع كما هو.
اليوم، وبعد عقود من الاستخفاف لم تُعد هذه المسافة فجوة قابلة للردم، بل تحولت إلى هوة بحجم الكون، فالمشكلة لا تكمن في الفكرة من حيث المبدأ، بل في المسافة بينها وبين ما يحدث على الأرض، ففي الوقت الذي يُعاد فيه إنتاج الخطاب ذاته عند كلّ نازلة من مدريد 1991 التي جاءت لشراء الضمير الشعبي العربي بعد تدمير العراق وحتى اليوم، تتغير الوقائع بوتيرة أسرع بكثير. الضفة الغربية لم تعد كما كانت قبل عقدين عقب أوسلو، ولا حتى قبل عقد، والقدس أيضًا دخلت في مرحلة طحن وإعادة تشكيل مُستمرة، فالاستيطان الذي تم تمريره من حكومة إسحق رابين، وحتى بنيامين نتنياهو ليس توسعًا عمرانيًا يُمكن التراجع عنه ضمن تسوية، بل تقطيع أوصال لا يُمكن بأي شكل من الأشكال العودة عنه.. هو ببساطة مشروع سيادي كامل، وشبكة مُتكاملة من السيطرة والبقاء، وأي حديث بخلاف ذلك ذر للرماد في العيون. أقول هذا الكلام لأن ما بدأ كحركة استيطان على الهامش، صار اليوم في صلب تعريف الدولة الإسرائيلية لنفسها، وهذا التحول في حد ذاته يطرح سؤالًا جوهريًا، وهو على أي أرض سيقوم الحل الذي يجري التمسك به؟.. نظريًا الإجابة التي يتجنبها الخطاب الرسمي واضحة، فالأرض التي يُفترض أن تُقسم لم تعد قابلة للقسمة، أي ببساطة لا يوجد أرض لإقامة دولة ثانية، حتى لو كانت بحجم مُعسكر أو سلطة بلدية. هذا هو الواقع، فنحن أمام صيغة واحدة لا صيغتين، وسيادة يهودية واحدة تُدار بمنطق تفاضلي في الحقوق، وهنا تحديدًا يتحول حل الدولتين من مشروع إلى وظيفة؛ وظيفة لتأجيل الاعتراف بهذا الواقع، لأن الاعتراف به يعني الدخول في منطقة أكثر تعقيدًا، وهي منطقة الأسئلة الصعبة التي لا تملك الدبلوماسية الجاهزة إجابات لها ويتصل ذلك بما يجري في قطاع غزة الذي لا يُمكن عزله عن هذا السياق.
وعليه، يُصبح الحديث عن حل الدولتين أقرب إلى إنكار مُنظم، ليس لأن الفاعلين الدوليين يجهلون ما يحدث، بل لأن الاعتراف به يفرض عليهم مُراجعة أعمق قد تكون كلفتها السياسية مُرتفعة، لذلك يُفضل الإبقاء على الصيغة القديمة، حتى لو فقدت مضمونها طالما أنها تحمل معها الوهم المريح الذي يطرب له العقل الجمعي لسكان المنطقة.
لكن هذه المُقاربة لها ثمن، فهي لا تكتفي بتعطيل الحل، بل تمنع التفكير في بدائل، فطالما بقي الحديث عن حل الدولتين قائمًا في الإعلام فلا حاجة للبحث عن حل بديل سواه، وهكذا يتحول النقاش إلى دائرة مُغلقة؛ واقع يتغير، وخطاب يرفض التغيير. صديق لي، يُحدثني عن نقطة ناقشها قبل أعوام مع أحد قادة خزانات الأدمغة في الولايات المُتحدة الأميركية، إذ كان الأخير مُقتنعًا بأن إدارة الصراع حين تطول لا تبقيه في مكانه، بل تدفعه نحو أشكال أكثر تعقيدًا، بل قال بالحرف الواحد: «لا يوجد شيء اسمه حل الدولتين، لأنه غير قابل للتطبيق». واليوم ومع الوقت يتكرس نمط من السيطرة لا يحتاج إلى إعلان رسمي، لأنه قائم فعليًا في الضفة الغربية المُحتلة، يتجلى ذلك بوضوح مع تزايد اعتداءات المُستوطنين كجزء من بيئة مُستمرة تعمل تحت مظلة حماية الدولة، كما أن مُصادرة الأراضي لم تعد إجراءات استثنائية، بل سياسة منهجية. والسؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى يُمكن الاستمرار في هذا الاستخفاف، والفصل بين القول والفعل؟، وما الذي يحدث حين يُصبح الحل المطروح نفسه جزءًا من آلية التعطيل؟.. ربما تكون الإجابة في طبيعة السياسة الدولية ذاتها، التي تميل إلى إدارة الأزمات بدل حلها بما يُبقي الذهنية العربية في حالة تخدير بأن التسوية مُمكنة وإن كانت مؤجلة.







