عايش يكتب: رسالة مفتوحة إلى كيان الاحتلال
حسني عايش
كأن اليهود في إسرائيل المتفوقين في العلوم والآداب والفنون والفلسفة والتكنولوجيا الرفيعة، هم الأغبى في العالم سياسياً. إذ بدلاً من أن "يدللو" الشعب الفلسطيني الذي يغتصبون وطنه، ويحملونه على أكف الراحة ليهدأ أو ليسكت أو ليرضى، ولا بالعنف يقاوم، يمارسون العكس معه تماماً، بإستراتيجية الإبادة الجماعية له مرتين: مرة بيولوجياً بالجملة في غزة، ومرة بالمفرق في الضفة ومرّة ثالثة بالإبادة الثقافية بتدمير المراكز الثقافية، والمكتبات الوطنية العامة والخاصة والمدرسية والجامعية، والمعارض الثقافية، والوثائق والأرشيفات الإدارية والمدنية والعقارية والقضائية، والمخطوطات والمتاحف حيث الآثار قديمة قدم غزة في التاريخ السابقة بالوجود لبني إسرائيل القديمة كما تفيد توراتكم التي تذكرها عشرين مرة، بالإضافة إلى تدمير المسارح والمعالم الأثرية، لمحو أي أثر أو ذاكرة أو هوية كنعانية فلسطينية من التاريخ والواقع، تثبت أن بني إسرائيل في الماضي اعتدوا على أرض كنعان / فلسطين واغتصبوا بعضاً منها وأقاموا دولتين عابرتين فيما يسمى يهودا والسامرة.
ولم تكتفوا بذلك بل دمرتم في غزة كل ما يحفظ باليد أو إلكترونيا، وسائر المقتنيات العامة والخاصة، وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والجوامع والكنائس، وحتى المقابر. كما دمرتم الحرف اليدوية جميعاً كالتطريز، وصناعة الفخار، والخزف، والخيزران، وسائر الأعمال الفنية التراثية، واقتلعتم أشجار الزيتون والحمضيات أو حرقتوها.. وحولتم أسماء القرى والمدن الكنعانية الفلسطينية العريقة في التاريخ إلى أسماء عبرية لسرقة الأولية الكنعانية الفلسطينية لصالح إسرائيل الثانوية، وأقمتم المستوطنات بينها وحولها وقمتم بتطويقها بطرق التفافية، وحواجز ثابتة ومتحركة، وأغلقتم الطرق بينها كي تقطعوا أوصال هذا الشعب البريء من أي اضطهاد لكم في التاريخ. لقد دمرتم قطاع غزة طولاً وعرضاً وفوقاً وتحتاً بالكامل. كما يفيد تقرير للمكتبة الوطنية الفلسطينية بهذه المعلومات. أي أن ما تم بناؤه وإعماره عبر آلاف السنين تم تدميره بطائراتكم ودباباتكم ومدافعكم في أيام بدلاً من قيامكم بالاعتذار التاريخي للشعب الفلسطيني مرتين: مرة عن المجازر التي ارتكبها أسلافكم ضده التي بلغت 153 مجزرة في أرض كنعان / فلسطين كما تفيد توراتكم حسب ما بينه الأستاذ في جامعة هارفارد ستيف والز: في كتابه بالنص: سكران بالدم : Drunk With Blood الصادر سنة 2013. ومرة عن المجازر التي ارتكبتموها ضده منذ سنة 1920 إلى هذه الساعة/ والتي تمارسونها كم يبدو بإصرار وارتياح وسعادة.
لقد ذكرت توراتكم الكنعانيين 165 مرة، والفلسطينيين في قطاع غزة 194 مرة، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن الكنعانيين / الفلسطينيين سابقون في الوجود وفي امتلاك فلسطين بني إسرائيل القديمة بمئات السنين، والجديدة بآلاف السنين.
إن الشعب الفلسطيني الحاضر بقوة هو سليل أجداده الكنعانيين / الفلسطينيين وقد تعرض وطنه الإستراتيجي إلى غزو عدد من الامبراطوريات القديمة: كاليونان/ والرومان/ والعرب المسلمين. وقد كان في كل مرة وكما كل شعب يتثقف مطراً بثقافة كل منهم، وبخاصة بالثقافة العربية الإسلامية أخيراً الممتدة لنحو ألف وخمسمائة عام. وليس كما تدعون أن الفلسطينيين مجرد عرب أو بدو منهم وفدوا إلى إسرائيل ليعملوا فيها ثم رفضوا الخروج منها مدعين أنها بلدهم الأصلي. وبدلاً من الاعتذار المزدوج له عن غزوكم له قديماً وحديثاً، تواصلون تعميق مأساته كما تتمثل الآن بالإبادتين البيولوجية والثقافية. إن سعادتكم بهما الناجمة عن التعليم المدرسي الذي يشيطن الفلسطينيين وينكر حقوقهم في وطنهم ويدعو أطفالكم إلى إبادتهم وكأنهم حشرات يلغي أي ضمير أو خلق أو حس إنساني نحوهم. لكن إنكار التاريخ الحقيقي للصراع يجعله لا ينتهي. وقد يأتي بنتائج عكسية غداً، أفلا تدركون؟!
لو كنتم أذكياء حقاً ولديكم ضمير فعلاً وحس إنساني حياً وقرأتم التوراة نقدياً لأقمتم أحسن العلاقات معه ليرضى بكم ويشرككم في وطنه، فهو يتسع للجميع. لكنكم ابتدعتم إستراتيجية ثالثة وهي إستراتيجية الاستفزاز الدموي الدائم له، وبخاصة في مخيمات اللاجئين منه الذين سرقتم أرضهم وممتلكاتهم وقمتم بتشريدهم في وطنهم وفي خارجه، وألغيتم وكالة الغوث الدولية التي ترعاهم مدرسياً وصحياً، لإزالة أقوى شاهدين على اغتصابكم لفلسطين.
ماذا كانت النتيجة؟ تحويل فلسطين الباقية وبخاصة الضفة وغزة والمخيمات على وجه الأخص إلى ما يشبه طنجرة الضغط بإبقاء النار المشتعلة تحتها مما يدفع الفلسطيني إلى تفضيل الموت بكرامة بالمقاومة على حياة الذل المرعبة الدائمة التي قمتم بفرضها عليه. وقد انفجرت في وجهكم بطوفان الأقصى وبأساليب ووسائل جديدة من المقاومة لم تخطر على البال كالمقاومة بالأنفاق والطعن والدهس.. أفلا تدركون خطورة ما تفعلون غداً؟
لو كانت إسرائيل ومن يؤيدها في أوروبا وأميركا ويسلحها عقلاء وشرفاء، لاستخدمتم وإياهم إستراتيجية المودة والاسترضاء والاعتذار للشعب الفلسطيني (والعرب) بدلاً من إستراتيجية الإبادة والاستفزاز له، فعندئذ قد تعتدل نسبة نموهم السكاني المخيفة وجودياً لكم، وتعيشون وإياهم في دولة ديمقراطية واحدة بأمن وسلام ووئام. فالفلسطيني والعربي يقدران تقليد: "لاقيني ولا تغديني"، لكن يبدو انكم تنسون أو تتناسون بل لا تدركون أنه لم ولن يوجد قوي أو مغرور بالقوة الغاشمة لا يُقهر ولا ضعيف لا ينتصر. لقد انهزمت اسبرطة وروما وبغداد العباسية، وانهزم نابليون، وهتلر من قبل، وحتى أميركا الأقوى في العالم هُزمت في فيتنام والعراق وأفغانستان، وربما غداً في إيران. ويهوذا وإسرائيل شاهدان تاريخياً عليه. أنتم الآن كالرضيع اليتيم الأم الذي تبنته بقرة حلوب ترضعه وتحميه بقرنيها الحادين، ولم ينفطم ولم يستقل عنها، فظل لحاجة إليها طيلة حياته لتحميه وإلا قضى، ولكن إلى متى؟
ها هو الجيل الفلسطيني الرابع خاصة بالمخيمات يتذكر النكبة والكارثة لأنهما تطاردانه في صحوه ونومه وأينما كان، فيقاوم ويبتكر أساليب ووسائل في المقاومة لا تخطر على البال. لو كنتم تعقلون لفكرتم إلى ألف سنة إلى الأمام، وأنه قد يأتي يوم على يد واحد أو اثنين أو جماعة من جيل الثلاثين أو الأربعين الفلسطيني يقضي بالحزام الذري الناسف على إسرائيل جملة وتفصيلاً. إن الإبادة الجماعية التي تمارسون اليوم في قطاع غزة لا تمنع ذلك غداً. أفلا من سُكْر القوة الغاشمة تصحون؟!!
لقد جربتم لأكثر من مائة عام إلى اليوم إستراتيجية القوة الخشنة في التعامل مع هذا الشعب، فلم تنفع ولم تخلصكم من القلق الوجودي الرهيب الذي تعيشونه صباح مساء، فلماذا لا تجربون إستراتيجية القوة الناعمة معه؟ ألم يضع الشباب الفلسطيني الزهور على دباباتكم في عهد رابين عندما تراءى له بصيص من النور في نهاية النفق؟ ألا تصفكم حماس وحزب الله وسائر الحكام العرب والمسلمين وإعلامهم بالدولة المحتلة؟ إنهم بهذا الوصف يعترفون بشرعية دولتكم في إطار سنة 1967، وليس في نيتهم وخططتهم قتلكم جميعاً كما تزعمون. لكنكم لم تلتقطوا الرسالة عمداً لتبرروا مواصلة الإبادة.
لا تخدعوا أنفسكم بأساطير التوراة، فأنتم ونحن في القرن الواحد والعشرين. فاقرأوا التوراة نقدياً critically أم أنكم تظنون أنكم بهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث في مكانه طمأنة أبدية لكم في فلسطين، لكن الهيكل هدم مرتين. لا تفهموا التوراة حرفياً فقد كتبت قصصها وأساطيرها وتواريخها قبل آلاف السنين، والعالم اليوم ليس هو عالم التوراة في الأمس، وكأنكم مثل القاعدة وطالبان وداعش تفكرون. إن هذا الفهم لا يتفق مع تفوقكم في العلوم والآداب والفنون والفلسفة.
لعل هذا التطرف الإبادي الذي تمارسه حكومتكم الآن هو أخطر تهديد وجودي لإسرائيل، وأن إسرائيل قد تجني على نفسها به، فكل الاحتمالات ممكنة. أم أنكم تظنون أنكم تسيطرون على التاريخ / المستقبل، لأنكم تسيطرون الآن على الحاضر . لعلّ هذا الفكر أو التفكير هو مصدر الخطر الوجودي عليكم.
وفي الختام: اعلموا أنه إذا رضي الشعب الفلسطيني عنكم، فإن بقية الشعوب العربية، والمسلمة غير العربية سترضى عنكم، وستسيحون في بلادها بأمن وسلام، فاثبتوا أنكم نور للأغيار كما تدعون، وليس مجرد قراصنة وقتلة.







