شبلي يكتب: صراع الشرق الأوسط بين حافة الهاوية وطاولة المفاوضات..  سيناريوهات الحرب والسلام

{title}
أخبار الأردن -

 

الدكتور سعد شاكر شبلي

ما نشهده اليوم في الشرق الأوسط ليس قدراً محتوماً، بل هو "كارثة كان يمكن تجنبها في تاريخ الجيوسياسية الحديثة"، فالمفارقة الكبرى في هذه الحرب هي أنها اندلعت في لحظة كانت فيها الدبلوماسية على وشك تحقيق اختراق. فقد كانت المفاوضات الخلفية التي ترعاها سلطنة عُمان قد أحرزت تقدماً ملموساً، حيث وافقت إيران مبدئياً على "تجميد صفري" لليورانيوم المخصب، وكانت صفقة نووية محتملة على بعد خطوات قليلة. لكن حسابات القوة في واشنطن وتل أبيب فضلت "خياراً عسكرياً أسرع وأكثر حزماً"، وهو الخيار الذي أثبت أنه الأكثر كلفة والأقل فعالية.

أولاً: جذور الحرب وتطوراتها على الأرض

في 28 شباط/فبراير 2026، أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل عمليتهما العسكرية المشتركة "الغضب العظيم" و"الأسد الصاعد" ضد إيران. كان الهدف المعلن هو "تدمير القوات البحرية والصاروخية الإيرانية" ومنعها من امتلاك سلاح نووي.لكن الحملة سرعان ما تحولت إلى مواجهة مفتوحة، حيث أظهرت إيران قدرة صادمة على الصمود، مما دفع الجانب الأمريكي إلى صرف أكثر من 37,000 مقذوفة من الذخائر الجوية على الأهداف الإيرانية خلال الأربعين يوماً الأولى من الحرب.

وقد توزعت جبهات القتال على محاور متعددة:

  1. محور إيران والعراق: حوّلت إيران الأراضي العراقية إلى منصة إطلاق رئيسية، حيث تنفذ ما يعرف "المقاومة الإسلامية في العراق" ما بين 21 و31 هجوماً يومياً بالطائرات المسيّرة والصواريخ على أهداف في الخليج والأردن. وقد أدى ذلك إلى أزمة دبلوماسية حادة، حيث أصدرت ست دول عربية بياناً مشتركاً حمل بغداد المسؤولية عن هذه الهجمات.
  2. محور دول الخليج العربي والأردن: امتدت رقعة الحرب لتشمل دول الجوار، حيث أطلقت إيران هجوماً صاروخياً شاملاً في الأيام الأولى من الحرب، استهدف منشآت حيوية في السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين، فضلاً عن الأردن الذي وجد نفسه في مرمى الصواريخ التي تسقط فوق أراضيه، مما اضطر القيادة الأردنية إلى الدعوة العلنية لخفض التصعيد.
  3. محور مضيق هرمز والاقتصاد العالمي: تحول المضيق، الذي يمرّ عبره حوالي خمس إمدادات النفط العالمية، إلى ساحة مواجهة رئيسية. أغلقت إيران المضيق فعلياً، مما أدى إلى انهيار حركة الملاحة من 20 مليون برميل يومياً إلى 2-3 ملايين فقط.ردّت واشنطن بفرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، مما أوصل العالم إلى حافة أزمة طاقة عالمية ورفع أسعار النفط لأكثر من 100 دولار للبرميل.

ثانياً: سيناريوهات الحل – بين التصعيد والمسارات الدبلوماسية

السيناريو الأول: انهيار الهدنة وتوسع الحرب الاقتصادية (احتمال مرتفع):

مع اقتراب انتهاء الهدنة في 22 نيسان/أبريل، يلوح في الأفق سيناريو التصعيد الأكثر ترجيحاً. فقد حذر مسؤول عسكري إسرائيلي من أن القوات الأمريكية والإسرائيلية ستشن "ضربات انتقامية شاملة تستهدف البنى التحتية للطاقة الإيرانية" إذا انهارت المفاوضات. هذا السيناريو لن يبقي المضيق مغلقاً فحسب، بل سيفتح الباب أمام "حرب اقتصادية إقليمية شاملة" تطال كل دول الجوار.

السيناريو الثاني: "الصفقة السريعة" بين واشنطن وطهران (احتمال قائم بتحفظات):

تسعى الإدارة الأمريكية إلى إبرام اتفاق إطاري سريع مع إيران، يُركز على ملفين أساسيين: البرنامج النووي ومضيق هرمز. وتتمثل أبرز معالم هذه الصفقة في: تخلي إيران عن مخزونها من اليورانيوم المخصب (المقدر بحوالي 440 كيلوغراماً)، وإعادة فتح المضيق بشكل كامل، مقابل رفع جزئي للعقوبات الاقتصادية وتقديم "ضمانات أمنية" لإيران. هذا السيناريو هو السيناريو الذي تدفع إليه الوساطة الباكستانية بقوة، وهو ما سنفصله لاحقاً.

السيناريو الثالث: العودة إلى طاولة المفاوضات الشاملة (احتمال ضعيف):

يتطلب هذا السيناريو إرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف، وهو ما يبدو غير متوفر حالياً. فإيران تضع شروطاً تشمل رفعاً شاملاً للعقوبات وضمانات بعدم التعرض لها مستقبلاً، في مقابل أن تقدم تنازلات في برنامجها النووي. أما أوروبا فتشك في قدرة الإدارة الأمريكية الحالية على إدارة مفاوضات معقدة بهذا المستوى، وسط مخاوف من أن تؤدي "صفقة سطحية" إلى مشاكل أكبر في المستقبل.

ثالثاً: دور باكستان المحوري – من وسيط إلى راعٍ للسلام

في خطوة مفاجئة للعديد من المراقبين، برزت باكستان كلاعب رئيسي في جهود إنهاء الحرب. وبخلاف الأدوار التقليدية، فإن الدور الباكستاني هنا متعدد الأبعاد:

  • الوساطة في وقف إطلاق النار: تمكنت باكستان من تحقيق أول اختراق حقيقي في 8 نيسان/أبريل، عبر التوسط في هدنة لمدة أسبوعين أوقفت القصف المتبادل وفتحت الباب أمام المفاوضات. ووفقاً للبيت الأبيض، فإن باكستان كانت "الوسيط الوحيد" في هذا الملف، ونجحت حيث فشلت جهود الأمم المتحدة.
  • استضافة جولات المفاوضات المباشرة: استضافت إسلام أباد الجولة الأولى من المفاوضات المباشرة بين نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس والوفد الإيراني بقيادة محمد باقر قاليباف في 11-12 نيسان/أبريل. استمرت المفاوضات لأكثر من 21 ساعة، لكنها انتهت دون اتفاق.
  • دبلوماسية مكوكية نشطة: أجرى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف جولة إقليمية شملت السعودية وقطر وتركيا لحشد الدعم للجهود الدبلوماسية. وفي الوقت نفسه، قاد المشير عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني، وفداً رفيع المستوى إلى طهران للقاء كبار المسؤولين الإيرانيين في محاولة لتضييق هوة الخلافات قبل الجولة الثانية من المفاوضات.
  • سيناريو طموح لاتفاق طويل الأمد: تخطط باكستان للانتقال من مجرد وسيط إلى راعٍ لاتفاق سلام شامل. ويجري الحديث عن "مذكرة تفاهم" قد تمتد لأشهر وتتيح مساحة للتفاوض على حلول جذرية للملفات العالقة. بل إن هناك تلميحات بأن الرئيس ترامب قد يزور إسلام أباد شخصياً للتوقيع على أي اتفاق نهائي.

ما يفسر هذا الدور الباكستاني الفريد هو "علاقات الصداقة المعقدة" التي تجمع إسلام أباد بواشنطن وطهران في آنٍ واحد، إضافة إلى الثقة الشخصية التي يبدو أن ترامب يوليها للقيادة الباكستانية الحالية.

رابعاً: أدوار القوى الدولية – بين التهميش والانتهازية

  1. الصين وروسيا:في الوقت الذي انشغلت فيه باكستان بالوساطة، استقبلت بكين سلسلة من الزوار الدوليين، من وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى ولي عهد أبو ظبي. ويبدو أن بكين تسعى إلى "لعب دور بنّاء" في تعزيز السلام، مع وعود روسية بتعويض الصين عن نقص الطاقة الناجم عن إغلاق مضيق هرمز. لكن المصالح الروسية معقدة؛ فارتفاع أسعار النفط يدعم اقتصاد الحرب الروسي في أوكرانيا، مما يجعل موسكو مستفيدة بشكل غير مباشر من استمرار التوتر.
  2. الاتحاد الأوروبي: يعيش الأوروبيون حالة من الإحباط والتهميش. فالدبلوماسيون الأوروبيون، الذين قادوا المفاوضات النووية لسنوات، يشعرون أنهم تم إقصاؤهم تماماً من المسار الجديد. وهم يعربون عن قلقهم العميق من أن فريق التفاوض الأمريكي "غير المؤهل" قد يوقع على "اتفاق إطاري سيئ" سيخلق مشاكل لا حصر لها في المستقبل، في إشارة إلى تجاربهم المريرة مع انسحاب ترامب السابق من الاتفاق النووي.كما أصدر الاتحاد بيانات متكررة تدعو إيران لإنهاء برنامجها النووي ووقف "الأنشطة المزعزعة للاستقرار".

خامساً: لماذا هذا "المجهول" الذي تسير إليه المنطقة؟

يكمن الخطر الحقيقي في أن المنطقة دخلت مرحلة من "الحرب غير المعلنة"، حيث تم طمس الحدود بين السلم والحرب. فالقوة التكنولوجية، التي راهنت عليها أمريكا وإسرائيل لتحقيق نصر سريع، أثبتت عدم جدواها في مواجهة استراتيجية "الحرب غير المتكافئة" التي تتبعها إيران. الخشية الأكبر هي أن تصبح هذه "الهدن المؤقتة" هي القاعدة، حيث يعيش الجميع في حالة ترقب دائم بين جولة تفاوض وأخرى من القصف، مما يعني أن المنطقة ستظل رهينة لميزان القوى الهش وغير المستقر لفترة طويلة قادمة.

خلاصة: هل يمكن تحقيق سلام دائم؟

رغم المشهد القاتم، فإن الفرصة لا تزال قائمة، لكنها تتطلب تغييراً جذرياً في العقلية السائدة:

  • أولاً: الانتقال من منطق "حسم الحرب" إلى منطق "إدارة الصراع"، مع إدراك أن الحل العسكري الشامل وهم خطير.
  • ثانياً: إشراك اللاعبين الإقليميين الكبار (السعودية، تركيا، مصر) بجدية في أي ترتيبات أمنية مستقبلية، بدلاً من إقصائهم أو تحميلهم تبعات حروب الآخرين.
  • ثالثاً: إعادة إحياء مسار المفاوضات النووية الشاملة التي تقودها أوروبا والصين وروسيا، لأن أي اتفاق ثنائي أمريكي-إيراني سيبقى هشاً وقابلاً للانهيار مع أي تغيير في الإدارة الأمريكية.
  • رابعاً: معالجة القضايا الجوهرية التي تثيرها إيران (مثل الأمن القومي والحصار الاقتصادي) بدلاً من الاكتفاء بمعالجتها كورقة مساومة تكتيكية.

في النهاية، يبقى السؤال الأصعب: هل ستكون حكمة القادة أقوى من طموحاتهم في كتابة تاريخ جديد للمنطقة، أم سنظل نقرأ عن "الكارثة التي كان يمكن تجنبها" لأجيال قادمة؟

 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية