القس سامر عازر يكتب: هل صحيح أن هذا العالم لا يحترم إلا القوة؟

{title}
أخبار الأردن -

القس سامر عازر

كثيرًا ما يُقال إن هذا العالم لا يحترم إلا الأقوياء، وكأن الضعف خطيئة لا تُغتفر، وكأن البقاء حكرٌ على من يمتلك أدوات الهيمنة والتفوق والنفوذ. غير أن السؤال الأعمق ليس في وجود القوة بحد ذاتها، بل في طبيعة هذه القوة: أيُّ قوةٍ نريد؟ وأيُّ قوةٍ يستحقها الإنسان ليحيا بكرامة ويصون وجوده؟

مطلوب من الإنسان أن يتحلّى بالقوة، نعم؛ لكن قوة التفكير قبل كل شيء، قوة المعرفة والعلم والثقافة، قوة الوعي التي تجعله قادرًا على التمييز بين الحق والباطل، وعلى اتخاذ القرار السليم في زمن تتزاحم فيه التحديات. فمثل هذه القوة ليست ترفًا، بل ضرورة للحياة، إذ إن الحياة لا تُنصف الجاهل، ولا تنتظر المتردد، ولا ترحم من يتخلى عن أدوات النهوض بذاته.

غير أن القوة بمعنى الجبروت والنفوذ الأعمى أمرٌ آخر تمامًا. لا أحد يطلب من الإنسان أن يكون ضعيفًا، بل أن يكون متسلحًا بالقوة اللازمة لحماية ذاته ووجوده واستقراره ومصالحه. لكن عندما تتحول هذه القوة إلى مصدر تهديد، وإلى أداة للسيطرة والاستعداء، وإلى وسيلة لحرمان الشعوب والدول من حقوقها المشروعة، فإننا نكون أمام انحراف خطير في مفهوم القوة ورسالتها. هنا يصبح لزامًا إعادة تعريف القوة، ليس كوسيلة للإخضاع، بل كأداة لتحقيق الاستقرار العالمي وصون السلم، بعيدًا عن استعباد الشعوب وفرض الهيمنة ومصادرة مقدراتها.

ومن غير شك، فإن مجتمعاتنا بأمسّ الحاجة إلى قوة من نوع آخر: قوة القانون. تلك القوة التي تسمو فوق الأفراد، وتضع حدًا للفوضى، وتكبح جماح البلطجة وتجاوز الحقوق العامة والخاصة. فحين تسود هيبة القانون، يخضع الجميع للمساءلة، ويصبح العدل هو المرجعية، لا النفوذ ولا المصالح الضيقة. وهنا تكمن بداية التقدم الحقيقي، إذ لا ازدهار بلا عدالة، ولا إنجاز بلا نظام.

إن سر تقدم الشعوب لم يكن يومًا في امتلاك القوة العارية، بل في توجيه هذه القوة ضمن إطار أخلاقي وقيمي يحفظ كرامة الإنسان. فالقوة التي لا يضبطها ضمير، ولا تهذّبها قيم، تتحول سريعًا إلى أداة هدم، مهما بدت في ظاهرها وسيلة بناء.

وفي ظل ما يشهده عالمنا اليوم من صراع محتدم بين القوى الكبرى على النفوذ والسيطرة، يبرز السؤال بإلحاح: هل يجب امتلاك قوة مفرطة بلا حدود؟ وهل يمكن للقوة وحدها، بمعزل عن الرادع الأخلاقي، أن تصنع عالمًا مستقرًا ومزدهرًا؟ أم أننا أمام مرحلة يُعاد فيها تشكيل العالم على قاعدة أن القوة هي اللغة الوحيدة المفهومة، وأنها القادرة على فرض سياسة الأمر الواقع مهما كانت الكلفة؟

لقد قامت المنظومة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية على فكرة أساسية مفادها أن السلام لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بالتوازن، وبالعدالة، وباحترام القانون الدولي. غير أن هذه المنظومة تبدو اليوم على المحك، في ظل تعاظم منطق القوة على حساب قوة المنطق، وتراجع القيم أمام سطوة المصالح.

إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من القوة بقدر ما يحتاج إلى حكمة في استخدامها. فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على الإخضاع، بل في القدرة على بناء إنسانٍ حر، ومجتمعٍ عادل، وعالمٍ يسوده السلام. عندها فقط، يمكن القول إن القوة قد وجدت معناها الحقيقي، وأنها لم تعد أداة صراع، بل جسرًا نحو مستقبلٍ أكثر إنسانية.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية