الرواشدة يكتب:هيئة الطاقة الذرية الأردنية وخالد طوقان: عقود من التحديات والطموحات النووية

{title}
أخبار الأردن -

انس الرواشدة 

 

تعتبر هيئة الطاقة الذرية الأردنية (JAEC) من المؤسسات الحكومية التي حملت على عاتقها مهمة استكشاف وتطوير استخدامات الطاقة النووية للأغراض السلمية في المملكة. ومنذ تأسيسها، ارتبط اسم هذه الهيئة بشخصية الدكتور خالد طوقان، الذي أمضى عقودًا من الزمن في قيادتها، مساهمًا في رسم مسار البرنامج النووي الأردني. ومع ذلك، فإن المسار الذي اتخذه هذا البرنامج، خاصة فيما يتعلق بالجهود المبذولة لإنتاج الوقود النووي المحلي، أو ما يعرف بـ الكعكة الصفراء، وإنشاء محطات للطاقة النووية السلمية، قد أثار تساؤلات حول مدى فعالية الاستثمارات المالية والزمنية الضخمة التي رصدت له.

إن الهدف الأساسي من تأسيس هيئة الطاقة الذرية الأردنية كان يتمثل في تسخير التقنية النووية لتلبية الاحتياجات المتزايدة من الطاقة الكهربائية، بالإضافة إلى تطبيقاتها في مجالات حيوية أخرى كالتشخيص الطبي والعلاج الإشعاعي، والزراعة، والصناعة. وفي ظل التحديات التي تواجه الأردن في تأمين مصادر طاقته، بدا البرنامج النووي خيارًا واعدًا لتنويع مزيج الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد. وقد كانت رؤية الدكتور خالد طوقان، خلال فترة توليه رئاسة الهيئة، ترتكز على إقامة بنية تحتية نووية متكاملة، تشمل تدريب الكوادر الوطنية، وتطوير القدرات البحثية، وربما الوصول إلى مرحلة إنتاج الوقود النووي محليًا، وهي الخطوة التي تمثل تحديًا تقنيًا واقتصاديًا كبيرًا.

إن مفهوم الكعكة الصفراء (Yellowcake) يشير إلى اليورانيوم الخام المعالج، والذي يعتبر المرحلة الأولى في سلسلة إنتاج الوقود النووي. يمثل إنتاج الكعكة الصفراء خطوة هامة نحو تحقيق الاستقلال في توفير الوقود للمفاعلات النووية. وقد سعت هيئة الطاقة الذرية الأردنية، تحت قيادة الدكتور طوقان، إلى استكشاف إمكانيات استخراج اليورانيوم من الخامات الموجودة في الأردن، وتطوير القدرات اللازمة لمعالجته. يمتلك الأردن احتياطيات من اليورانيوم، وقد تم إجراء دراسات حول جدوى استخراجه تجاريًا. ومع ذلك، فإن عملية التحول من مرحلة الدراسات والاستكشاف إلى الإنتاج الفعلي للكعكة الصفراء واجهت تحديات كبيرة، سواء كانت تقنية، اقتصادية، أو تنظيمية وكلف خالد طوقان الخزينة ملايين من أموال الخزينة وحالت دون أي نتائج يلمسها الشعب الأردني في حياته.

وتمتد العقود التي قضاها الدكتور خالد طوقان في رئاسة الهيئة، وهي فترة طويلة نسبيًا في عمر البرامج التقنية المتقدمة وكان لابد من تأمين الأردن بالعلاج النووي لمرضى السرطان وهو أقل شيء ممكن إنجازه مقارنة بالفترة الطويلة التي قضاها خالد طوقان دون حساب أو رقابة. وخلال هذه الفترة، تم تحقيق بعض الإنجازات الهامة، مثل إنشاء مركز الأبحاث النووية، وتدريب عدد من العلماء والمهندسين الأردنيين في الخارج، وتأسيس بعض المختبرات المتخصصة. كما تم توقيع اتفاقيات تعاون مع دول رائدة في المجال النووي، بهدف نقل الخبرات والمعرفة. إلا أن المشروع الطموح لإنشاء مفاعل نووي لتوليد الكهرباء، والذي كان محور تركيز البرنامج، لم ير النور حتى الآن.

إن التحديات التي واجهت إنشاء محطة طاقة نووية في الأردن متعددة الأوجه. فمن الناحية التقنية، يتطلب بناء مفاعل نووي خبرات هندسية عالية، وأنظمة سلامة صارمة، وبنية تحتية معقدة. ومن الناحية الاقتصادية، تمثل تكلفة بناء وتشغيل محطة نووية استثمارًا ضخمًا للغاية، يتطلب توفير تمويل كبير، سواء من مصادر حكومية أو استثمارات أجنبية. بالإضافة إلى ذلك، تبرز التحديات المتعلقة بالموافقات التنظيمية الدولية، وإدارة النفايات المشعة، وتأمين الحماية والأمن للمنشآت النووية. كل هذه العوامل ساهمت في إطالة أمد المشروع وتأخير تحقيقه.

وقد أشارت بعض التقارير والتحليلات إلى أن الأموال التي تم إنفاقها على مشاريع هيئة الطاقة الذرية الأردنية، وخصوصًا تلك المرتبطة بالبرنامج النووي، قد تكون هائلة، خاصة عند احتساب تكاليف الدراسات، والتدريب، والبحوث، والجهود المبذولة لجذب الاستثمارات. السؤال المطروح هو مدى فعالية هذه الاستثمارات، وما إذا كانت قد أسفرت عن نتائج ملموسة وذات جدوى اقتصادية وبيئية. في حين أن التدريب و بناء القدرات البشرية يعتبران استثمارًا ذا قيمة على المدى الطويل، إلا أن عدم وضوح رؤية واضحة لإنشاء مفاعل نووي أو إنتاج وقود نووي محلي، يثير تساؤلات حول هدر هذه الموارد المالية.

من الجدير بالذكر أن مسألة جدوى الطاقة النووية في الأردن، وبخاصة إنتاج الوقود المحلي، تحتاج إلى تقييم دقيق ومستمر. ففي حين أن الأردن يمتلك موارد من اليورانيوم، إلا أن استخراجه ومعالجته قد لا يكون مجديًا اقتصاديًا مقارنة بشرائه من الأسواق العالمية، خاصة في ظل التكاليف العالية لإنشاء بنية تحتية متكاملة لإنتاج الكعكة الصفراء. كما أن بناء مفاعل نووي يتطلب دراسة معمقة للتكاليف التشغيلية، وتكاليف التخلص من الوقود المستهلك، ومدى تنافسية الطاقة النووية مع مصادر الطاقة المتجددة الأخرى التي تشهد تطورًا متسارعًا وتكاليف انخفاضًا مستمرًا.

إن الإنجازات في مجال التطبيقات السلمية للطاقة النووية، مثل الطب النووي، قد تكون أكثر وضوحًا وقابلة للقياس. فقد ساهمت التقنيات النووية في تطوير قدرات التشخيص والعلاج في المستشفيات الأردنية، مما يخدم شريحة واسعة من المرضى. ومع ذلك، فإن التركيز الأكبر في النقاش العام والإعلامي غالبًا ما ينصب على الجانب المتعلق بإنتاج الطاقة الكهربائية والوقود النووي.

يمكن القول بأن هيئة الطاقة الذرية الأردنية، تحت قيادة الدكتور خالد طوقان، واجهت تحديات هائلة في مسيرة تحقيق طموحات البرنامج النووي الأردني. فبينما تم تحقيق تقدم في بناء القدرات البشرية والبنية البحثية، فإن تحقيق أهداف أكثر تعقيدًا مثل إنتاج الكعكة الصفراء وإنشاء مفاعل نووي للطاقة ظل بعيد المنال. إن تقييم مدى فعالية الاستثمارات المالية والزمنية يتطلب مقارنة بين الأهداف الموضوعة والإنجازات المتحققة، مع الأخذ في الاعتبار العوامل الخارجية التي قد تؤثر على تقدم المشاريع الكبرى. ومع استمرار الحاجة إلى مصادر طاقة نظيفة ومستدامة، تظل قضية الطاقة النووية في الأردن موضوعًا يستدعي المزيد من البحث والتقييم الشفاف، لتحديد المسار الأمثل الذي يخدم المصلحة الوطنية والاقتصادية للمملكة، مع ضمان أعلى معايير السلامة والأمان.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية