ملكاوي يكتب: تفكيك خرافة موضوعية الإعلام
موفق ملكاوي
نعيش اليوم قمة هرم تجليات الإعلام المنحاز، والذي تفرضه مركزية غربية لا يمكن أن تكون موضوعية أو محايدة أو مهنية، كما تدّعي دائما، وتسوّق لخطابها.
في الخطاب الإعلامي السائد، يتم فرض المركزية الغربية عبر بنية لغوية تبدو لو أنها طبيعية، فالمفردات المحايدة هي أدوات لتخفيف حدة الواقع وإعادة تعريفه داخل إطار يمكن استهلاكه عالميا من دون إزعاج الضمير، من أجل اختزال بنية العنف في كلمات عامة، وجعل التاريخ مجرد خلفية باهتة، تتحول فيها الوقائع إلى أحداث منفصلة عن جذورها.
الاعتقاد أن الإعلام وسيط محايد بين الحدث والمتلقي هو اعتقاد ساذج، ففي وظيفته الأساسية التي استقر عليها خلال عقود، يعمد الإعلام إلى استخدام لغة تعيد إنتاج الانحياز في «صورة مهنية»، فالخبر الذي يبدو متوازنا يكون قد تخلص مسبقا من كل ما يهدد توازنه عبر حذف السياق أو إعادة ترتيب المسؤوليات داخل الجملة. ادعاء الحياد تفضحه سلسلة القرارات بالتأشير على من يمنح حق الكلام، ونوعية الخبير المتحدث، والزاوية التي تلتقط منها الصورة، والمفردات المنتقاة في العنوان، وهي قرارات تصاغ من داخل «المطبخ السياسي»، ليتحول الإعلام إلى جهاز لإنتاج المعقولية برسم الحدود التي يتحرك داخلها النقاش، وتشكيل الرأي العام عبر إعادة تعريف ما يبدو بديهيا.
«التوازن المريح»، شكل آخر للمركزية يتأتى من عرض الروايات المتقابلة ضمن قالب يبدو عادلا، لكنه يخفي تفاوتا جذريا في القدرة والسلطة، بإعادة ترتيب الأطراف داخل جملة واحدة بوصفهم متكافئين، وتغييب الفرق بين من يمتلك أدوات الفعل ومن يعيش تحت وطأتها، ما يبدل النقاش من بنية القوة نفسها، إلى لحظة الحدث فقط، وكأن التاريخ الممتد لا وجود له أو دور في تفسير ما يجري.
في كثير من الأحيان، لا يحتاج الخطاب الإعلامي إلى تبرير العنف صراحة، ويكفي أن يزيل الفاعل من الجملة، فحين يتحول القتل لفعل مجهول، يصبح الموت ظاهرة طبيعية وليس نتيجة لقرار بشري. هذا التحول البسيط في بنية اللغة ينقل الحدث من مجال الأخلاق إلى مجال الإحصاء. ومع تكرار الصياغة، يتعلم المتلقي أن يرى العالم بوصفه سلسلة من النتائج غير المرتبطة بفاعلين واضحين، فتختفي المسؤولية تدريجيا.
الخطاب المنحاز، كذلك، يتكامل بحذف ما يسبق اللحظة الراهنة، فالخبر السريع يختزل تاريخا طويلا بسطر واحد، ويحول بنية القهر الممتدة قرونا إلى حادثة طارئة، لتبدو الضحية كأنها خرجت فجأة عن هدوئها، بينما يغيب المسار الذي قاد إلى تلك اللحظة. السياق الغائب هو العنصر الذي يمنح الحدث معناه الأخلاقي، وحين يتم اسبتعاده يتحول الخبر إلى صورة بلا عمق، وكأنها لوحة معلقة في الفراغ.
المثير للانتباه أن هذه البنية الخطابية لا تبقى حبيسة المؤسسات الغربية، بل تنتقل إلى فضاءات إعلامية أخرى، بما فيها العديد من المنصات العربية التي تعمد إلى تبني القوالب «المهنية» نفسها، عبر السعي إلى ما يعتقد أنه معيار عالمي للموضوعية، ليصبح النموذج لغة مشتركة للخبر ورؤية أحادية للعالم. إنها هيمنة لا تعمل عبر الإكراه، وإنما بالإقناع الهادئ بأن هذه هي الطريقة «الطبيعية» للرؤية.
النظر إلى دور الإعلام من هذه الزاوية، يكشف أنه يمارس «وظيفة دبلوماسية ناعمة» يحدد من خلالها اللغة التي يتم فهم الأحداث من خلالها، ويعيد رسم حدود التعاطف العالمي عبر اختيار الخبراء والمصطلحات والإطارات السردية، ويساهم في خلق مناخ فكري يسمح بسياسات معينة ويستبعد أخرى، وهو شكل سياسي غير معلن، يتخفى داخل مهنية خادعة وحياد غير موجود.
ربما لا يمكن للإعلام التحرر تماما من الأطر التي تشكله، لكن على المتلقي مسؤولية كشف ما لم يقل، واستنباط السياق الغائب، فالعالم الذي نراه عبر الشاشات، هو حاصل تفاوض مستمر بين اللغة والسلطة، بينما يغيب الواقع الحقيقي خلف ركام هائل من اللغة والسياسات التحريرية والتفضيلات التي تعمل بشكل عكسي لكي تصبح الأخبار نصوصا تحتاج إلى تفكيك للوصول إلى الحقيقة.







