العايدي يكتب: الأحزاب الدينية (2): هل المطلوب تغيير الاسم أم المضمون؟
د.محمد صبحي العايدي
قد يكون تغيير أسماء الأحزاب الدينية استجابة لمتطلبات القانون خطوة إيجابية في ظاهرها، ولكنه لا يكفي لتغيير الحقائق، ما لم يرافقه تحول حقيقي في البنية والمضمون، فالأسماء يمكن أن تتبدل، واللافتات يمكن أن تتغير، ولكن لا يعني ذلك بالضرورة أن طبيعته قد تبدلت، أو أن ممارسته العملية السياسية قد تغيرت، ولذا فإن حذف الوصف الديني من اسم حزب لا ينبغي أن يقرأ كتحول مكتمل، بل يجب أن نقرأ التغيير في المحتوى والمضمون لا في الاسم .
فالأحزاب السياسية في الدولة الحديثة ليست مجرد أدوات انتخابية، بل هي تعبير عن العلاقة بين المجتمع والسلطة، فالأحزاب التشاركية تنطلق من أن الحقيقة السياسية تبنى عبر الحوار والتفاعل وتعدد المصالح، وتلتزم بطرح برامج قابلة للنقاش والتعديل والتطبيق، وترى نفسها جزءاً من نسيج الدولة، لا وصية عليها، فإذا تجاوزت هذا الحد، وتحولت أهدافه إلى تصورات كلية، سقطت في منطق الشمولية، لتمنح نفسها دور التوجيه والتقويم.
وتكشف قراءة في بعض الأنظمة الداخلية لبعض الأحزاب الدينية عن هذا التحول بوضوح، فعندما ينص على أن منطلقات الحزب تقوم على:» الواجب الشرعي في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» فإن الحزب لا يعرف نفسه كفاعل سياسي، بل كحامل لوظيفة دعوية، فينتقل الحزب من كونه ممثلأ لفئة من المجتمع، إلى كيان يسعى لتوجيه المجتمع بأكمله، وهو ما يتعارض مع جوهر العمل الحزبي، القائم على التعدد لا الوصاية.
ويتعمق هذا الإشكال حين يطرح في النظام الداخلي هدف:» تطبيق الشريعة الإسلامية في مختلف ميادين الحياة»، فمثل هذا الطرح لا يقدم برنامجاً سياسياً قابلاً للنقاش، بل يطرج تصوراً شمولياً، يدخل فيه الحزب إلى المجال السياسي وهو يحمل» حقيقة مكتملة»، هنا تكمن المفارقة السياسية: كيف يمكن لحزب برامجي، أن يمارس العمل السياسي بهذه الشمولية، فإدخال التصورات المطلقة داخل العمل السياسي، يفقد العمل جوهره القائم على الإصلاح المحدود، ويفقد السياسة طبيعتها، لأن الخلاف لم يعد حول الوسائل، بل حول الحق ذاته.
ولا تقف الإشكالية عند حدود الفكرة، بل تمتد الى اللغة التي يستخدمها الحزب لتعريف دوره، كما يظهر في الحديث عن:» إعداد الأمة لجهاد أعدائها»، «والتربية الجهادية للأمة»، هذه ليست لغة حزب سياسي يسعى إلى إدارة المصالح والتوازنات، بل لغة تعبوية أيديولوجية، تنقل العمل الحزبي من ساحة البرامج إلى ساحة الحشد، فتتحول السياسة حينها إلى تعبئة، ويحل معه منطق الصراع، ولهذا فإن هذه الأدوار منوطة بالدولة، فهي التي تحدد الجهة القانونية المخولة بالإعداد، وتعزيز المفاهيم الدينية والتربوية.
كما تكشف النصوص عن توتر واضح في مسألة الانتماء حين يجتمع الحديث عن:» تحقيق الولاء لله، وأصالة الانتماء للأمة» هذا الامتداد الأممي على أهميته الفكرية، يتحول إلى إشكالية سياسية، حين يتقدم على مفهوم الدولة الوطنية، التي تقوم على المواطنة وسيادة القانون، وهذا ما يضع الحزب في حالة ازدواج بين مرجعية وطنية يعمل داخلها، ومرجعية أوسع يتجاوز بها حدودها.
ويزداد الأمر حساسية حين يفتح الباب أمام تسييس الدين، من خلال النص على:» دعم المؤسسات الدينية ونشر رسالة المسجد» بما يحويل المنابر من فضاء جامع إلى ساحة تنافس سياسي، وعندها لا تدين السياسة فحسب، بل ويسييس الدين، مما يفقده حياده ورسالته الجامعة.
إن مجموع هذه النصوص وغيرها، لا يعكس مجرد توجه فكري، بل تكشف عن بنية لأحزاب شمولية، حيث من خلال أنظتمها الداخلية تشير إلى أنها تمتلك الحقيقة، وتخلط بين الدعوي والسياسي، وتتبنى مشاريع فكرية، لا سياسية قابلة للتطبيق تضمن احترام الآخرين، وهنا ينتقل الحزب من كونه أداة تمثيل سياسي لفئة من المجتمع، إلى كونه مشروعاً لإعادة تشكيل المجتمع، وفق تصور مسبق، فتغيب البرامج الوطنية الواقعية، ويتراجع الاهتمام بقضايا الاقتصاد والتعليم والخدمات.
ولذا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تغيير الأسماء، بل في المراجعة المعمقة للمضون، فالحزب حتى يصير سياسياً بامتياز عليه أن يعيد تعريف نفسه كفاعل وطني، يعمل ضمن عقد سياسي مشترك، يقبل التعدد، ويدير الاختلاف، ويتخلى عن فكرة امتلاك الحقيقة، وممارسة دور المرجعية التي ترى نفسها فوق القانون، أو فوق مرجعيات مؤسسات الدولة الرسمية، هنا فقط يبدأ التحول الحقيقي.







