المشاقبة يكتب: يوم العلم الأردني: الرمز كمعادلة سيادة واستمرارية
الدكتور حازم خالد أبو عويضه المشاقبة
في مقاربة الدول لذاتها، لا تُدار الرموز بوصفها مكونات شكلية، بل كأدوات ضمن هندسة السيادة وإنتاج الاستقرار. ومن هذا المنطلق، يكتسب يوم العلم الأردني في الأردن موقعًا يتجاوز الاحتفاء إلى إعادة تثبيت المعنى السياسي للدولة، بوصفها كيانًا قادرًا على الاستمرار ضمن بيئة إقليمية عالية الاضطراب.
العلم الأردني، في بنيته البصرية، ليس مجرد امتداد تاريخي، بل هو اختزال واعٍ لسردية تأسيسية ما تزال فاعلة، استحضار ألوان الثورة العربية الكبرى لا يعمل كاستدعاء رمزي للماضي، بل كإعادة توظيف مستمرة لمرجعية سياسية تمنح الدولة عمقها وشرعيتها، أما النجمة السباعية، فتتجاوز بعدها الزخرفي لتشير إلى فكرة الانتظام الداخلي، حيث تتكامل مكونات المجتمع ضمن إطار دولة قادرة على الضبط دون الإخلال بالتوازن.
بهذا المعنى، يصبح يوم العلم ممارسة سيادية دورية، تُعيد من خلالها الدولة تأكيد حضورها ليس فقط كسلطة، بل كمنظومة قادرة على إنتاج الاستقرار. وهذا ما يفسّر خصوصية النموذج في الأردن؛ إذ لم يكن الاستقرار نتاج ظرف، بل نتيجة إدارة واعية للتوازنات، داخليًا وخارجيًا، ضمن معادلة دقيقة تجمع بين الحذر والانفتاح، وبين الثبات والمرونة.
وعند هذا الحد، لا يمكن فصل الرمز عن البنية السياسية التي تحميه. فالعلم، كعلامة سيادية، يكتسب قيمته الفعلية من دولة نجحت في ترسيخ نفسها كفاعل عقلاني في الإقليم، قادرة على تجنّب الانزلاقات الحادة، وعلى الحفاظ على تماسكها رغم ضغوط مستمرة. هذه القدرة ليست مجرد أداء مرحلي، بل تعبير عن بنية سياسية تمتلك أدوات الاستمرار.
إظهار الاعتزاز بالعلم في يوم العلم الأردني لا يُقرأ كاستجابة عاطفية، بل كإقرار ضمني بفاعلية هذا النموذج. هو ولاء يتأسس على الإدراك: إدراك أن الدولة لم تكن عبئًا، بل إطارًا حاميًا؛ وأن استمراريتها لم تكن مضمونة، بل تحققت عبر إدارة دقيقة ومعقّلة للمخاطر. من هنا، يتحول الولاء من خطاب إلى موقف، ومن شعور إلى قناعة متماسكة.
وفي مستوى أعمق، يمكن فهم هذا اليوم كأداة لإعادة إنتاج السردية الوطنية ضمن سياق معاصر، حيث لا يكفي امتلاك التاريخ، بل يجب القدرة على توظيفه في الحاضر. وهذا ما ينجح فيه الأردن، عبر تحويل رموزه إلى عناصر فاعلة في بناء وعي وطني متزن، غير منقطع عن الواقع، وغير منفصل عن التحديات.
في المحصلة، لا يُختزل يوم العلم الأردني في كونه مناسبة، بل يُفهم كآلية سيادية لإعادة تثبيت معنى الدولة، وتعزيز الثقة ببنيتها، وتأكيد قدرتها على الاستمرار. وهو ما يجعل من العلم الأردني ليس فقط راية تُرفع، بل تعبيرًا عن دولة تعرف موقعها، وتدير توازناتها، وتحافظ على نفسها بثقة محسوبة في إقليم لا يمنح الاستقرار مجانًا.
• إعلامي وباحث في شؤون الاتصال الجماهيري




