وليد عبد الحي يكتب: الرئيس الصيني: الثورة الهادئة

{title}
أخبار الأردن -

 

وليد عبد الحي

عندما اصدرت كتابي "المكانة المستقبلية للصين عام "2000 " ، لم يكن الرئيس الصيني الحالي (شي جين بينغ) رئيسا ، بل كان نائبا لأمين لجنة الحزب الشيوعي الصيني في مقاطعة فوجيان (جنوب شرق الصين) ، وعندما اصبح هو مركز صنع القرار في الحزب والدولة معا عام 2013، بدأت بتتبع مسار هذا الرجل ، وحاولت تلمس دوره من خلال بعدين هما : البعد السيكولوجي له(تربيته ،ثقافته، وقائع اثرت على تفكيره، اخلاقياته ،ميوله الجنسية، نظرته للحياة، وكان فرويد وتلاميذه برفقتي ...الخ)، اما البعد الآخر فكان حول التحولات البنيوية التي يجريها في الصين ومدى اتساقه مع البنية القائمة في المجتمع الصيني والاقليم الشرق آسيوي والعالم ككل..فماذا وجدت ؟

1- هناك شبه اجماع في المراجع التي تتناول البناء النفسي لهذا الرئيس(وهي قليلة ) على انه "تلميذ لجوهر المنظور الكونفوشي القائم على الانضباط وتطبيق القانون"، وهنا اعود لدراستي التي تضمنت الاشارة الى ظاهرة الفساد في الادارة الصينية (وهو امر لا يتسق مع المنظور الكونفوشي)، فقد تبين لي ان الفساد ظاهرة مستشرية في المجتمع الصيني، لكن الفترة التالية لتولي جين بينغ عرفت ظاهرة مهمة في هذا الجانب، فالفساد في الصين يتم تقسيمه الى نمطين :فساد النمور(التي تعتمد على جبروتها في الكسب غير القانوني) وفساد الذباب (حيث تتغذى على فضلات الفساد)، لكن جين بينغ وجه ضربات قاصمة وبشكل مركز لفساد النمور تحديدا في الحزب والمؤسسة العسكرية ، دون اغفال نسبيا فساد الذباب، وهو ما ادى الى تحسن مستوى الشفافية الصيني في المقاييس الدولية مقارنة بالمراحل السابقة .

2- لم تكن تصورات جين بينغ طارئة على تفكيره السياسي(اي انه لا يتلون)، فقد تعرض هو ووالده لعقوبات خلال الثورة الثقافية من بينها السجن، وتاثير الحياة الريفية ونفيه في الريف ، لكنه بقي وفيا لقناعاته،بل ان هذه التجربة الحياتية جعلته اكثر توازنا نفسيا ،وما ان تولى مقاليد السلطة حتى نقل ما في رأسه للميدان ولكن بقدر كبير من الرزانة والتفكير الهادئ، وتدل دراسة منشورة في مجلة Journal of contemporary China

في عام 2023 ان تجربة النفي والضغوط شكلت رافدا لشخصية صبورة جدا لكنها مطمئنة لحسن نتائج صبرها.

3- لعل تخصصه في الهندسة الكيميائية له انعكاساته على منهج تفكيره ،فهذا التخصص يزرع في الشخص الثقافة النظامية ،لكنها ايضا تزرع في الفرد ان الظواهر اعقد مما تبدو للوهلة الاولى، فمتابعة سياسات الصين في فترة جين بينغ تشير الى شخصية تتعامل مع الواقع الدولي على اساس مدخلات- تفاعلات –مخرجات(كالمختبر)، ولكنها تفترض من رجل المختبر "التحكم في الكميات والحرارة والزمن او ما يسمى ضبط العمليات" بخاصة ان الوصول للنتائج لا يتم بالقفزات بل "بالتدرج ".

4- تدل حياته الشخصية على قدر من الطهر الغرائزي، فقد تزوج مرتين، طلق الأولى بعد فترة قصيرة نتيجة خلاف حول اصرارها على الانتقال الى لندن للحاق بوالدها ، بينما تزوج الثانية ،وهي مطربة، وما تزال ترافقه المسيرة، وليس في سجلها ما يشوب سجلها الاخلاقي ، كما لم اجد ما يشير الى نزوع غرائزي عند جين بينغ، وهو ما يتضح في دراسة هامة (Aubrey Immelman and Yunuiyi Chen-The personality profile and leadership of XI Jinping-2021)

وخلصت الدراسة استنادا الى 34 مؤشرا للشخصية الى تحديد مواصفات الرئيس الصيني الشخصية :

أ‌- شخصية مهيمنة تتمتع بنقاء الضمير واحترام الواجب والحق

ب‌- شخصية طموحة مبنية على ثقة عالية بالذات

ت‌- يجمع بين القدرة على التكيف العالي من ناحية والاستعداد للمغامرة من ناحية ثانية.

5- نتيجة كل ما سبق ، مالت شخصية جين بينغ الى الجمع بين "النزوع القومي بحضور المكون الثقافي الكونفوشي، مع النزوع البراغماتي الذي استقاه من تراث براغماتي صيني ،وهو هنا تلميذ نجيب لعدد من اعلام التراث الصيني مثل:

أ‌- الكنفوشية العملية : يقول كونفوشيوس :لدينا على الارض من المشاكل ما يغنينا عن التفكير بالسماء"

ب‌- فكرة الاعتدال والواقعية في الطاوية والتي تعبر عنها المقولة الصينية "لا تنظر الى السماء وأنت منبطح على الارض"

ت‌- الفكر الاستراتيجي للمنظر الصيني صون تزو المعروف " لكي تخوض مائة معركة دون مخاطرة ،اعرف عدوك ونفسك)،

ث‌- الثقافة الشعبية القائمة على نزعة الاحترام للذات والاستقلالية ،فالتراث الصيني يقوم على مقولة " كُن قائدا صغيرا لا تابعا كبيرا".

اما البعد الآخر ،وهي تفاعل جين بينغ مع المجتمع والاقليم والعالم ، فان فكرته تنطوي على ثلاثة ابعاد:

1- على المستوى الوطني الصيني: التنمية السلمية والحكم النزيه ،ولعل ذلك ما يفسر ان 30 مؤشرا للتنمية ،حققت فيها الصين معدلات تنمية "متسارعة" في 22 منها والمركز الاول عالميا،وهنا نشير الى ان اغلب النخب الحاكمة في الصين كانوا في مرحلة ما بعد ماوتسي تونغ من التكنوقراط ، والملاحظ ان النخبة الصينية تتحول تدريجيا من الغلبة التكنوقراطية الى النخبة الادارية باستثناء القطاعين العسكري والصناعي ، وهذا يعني ان دراسة الصين لا تتم بانفصال عن مراحل التحولات في بنية النخبة من ثورية آيديولوجية (مرحلة ماو) الى تكنوقراطية هندسية (مرحلة دينغ هيساو بنغ) الى نخبة مركبة من عناصر متعددة على غرار المركب الكيميائي(مع جين بينغ).

2- على المستوى الاقليمي :تعميق الرباط العضوي مع الإقليم ومنح اولوية للأقليات الصينية في دول الاقليم وبخاصة الأكثر نفوذا اقتصاديا.

3- على المستوى العالمي تحويل العولمة "الراسمالية الصفرية" الى عولمة "غير صفرية تسمح بالتعددية"

السؤال : هل النموذج الصيني هو النموذج الاكثر جاذبية للنخبة الحاكمة الايرانية..؟ وعندما نقول النموذج الجاذب لا يعني "نسخ النموذج " بل اتباع " منهج النموذج " وتطويعها لمعطيات البنية القائمة...وهل دولة يقودها ترامب قادرة على المدى البعيد على الادارة المتوازنة للصراع الدولي لمواجهة دولة يديرها حفيد كونفوشيوس ؟ ...ربما حائرة..

 


 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية