كراجة يكتب: تحت غبار المعركة.. هل فشلت الدولة العربية العميقة؟
سائد كراجة
إيران الصفوية من أقدم الأمثلة على استخدام الدين لمآرب سياسية؛ إذ أجبر إسماعيل الصفوي أهل فارس، الذين اتبعوا المذهب السني قرونًا، على التحول إلى المذهب الشيعي الاثني عشري بالقوة، ولما لم يجد بنية دينية كافية، جلب علماء من جبل عامل لتثبيت هذا المسار. والثورة الإيرانية 1979 لم تبدأ خمينية، بل كانت ثورة شعب متعددة الاتجاهات، لكن التيار الأكثر تنظيمًا كان التيار الإسلامي، فاستلمها.
في بداياتها، خلّصت الثورة موظفي السفارة الأميركية من أيدي المتظاهرين اليساريين والقوميين، ثم لاحقًا اصطفت إيران مع الولايات المتحدة ضد طالبان المسلمة عندما التقت المصالح، وتعاونت كما يشاع مع إسرائيل في الحرب العراقية الإيرانية، وفضيحة إيران–كونترا معروفة.
استقبال أميركا للشاه المخلوع أعاد للإيرانيين ذاكرة مساهمة أميركا في إسقاط مصدق وتأسيس السافاك، ما ساهم في تصعيد أزمة احتجاز الرهائن الأميركيين في طهران وظهور شعار “أميركا رأس الحيّة”.
وفي مسارها الإقليمي، دعمت إيران نظام الأسد وحزب الله وحركة حماس كأدوات نفوذ، ضمن قناعة أن صراعها مع أميركا مسألة وقت!
دعم إيران لحماس كحركة سنية رغم القيود الداخلية على السنّة، يكشف براغماتية تتجاوز البعد المذهبي. إيران خططت لخلق ساحات متقدمة للصراع مع أميركا وإسرائيل. موقف إيران من أميركا لم يبدأ أساسًا من تأييد إيران للقضية الفلسطينية، وإن تطور لاستخدامها. وهذا إن دل على شيء، فإنه يدل على أن التعامل مع إيران بالهاجس المذهبي فقط كان فيه قصور في الرؤية والفهم، فإيران دولة “طبيعية” تتعامل حسب مصالحها وتدور معها حيثما دارت.
على صعيد آخر، تأسس القرار والذهن العربي خلال العقود الماضية على تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة، التي وفّرت دعمًا ماليًا وعسكريًا لعدة دول عربية، لكنه دعم مكيّف ليناسب مصالح إسرائيل؛ فإن تعارضت، كانت الأولوية لها. وهذا يعني أن التعامل مع أميركا كحليف ثابت المبدأ فيه قصر نظر، لأن سلوكها في المنطقة محكوم بالمصلحة لا بالالتزام المبدئي.
أما فيما يتعلق بالصهيونية، فقد جرى توصيفها كخطر وجودي دون أن يتحول ذلك إلى استراتيجية عملية. الصهيونية ليست مشروع تعايش، بل مشروع مخلص لرؤيته في الهيمنة.
وثيقة «A Clean Break» مثلا، التي قدمها خبراء لنتنياهو في التسعينييات تعكس توجّهًا يدعو إلى تجاوز “الأرض مقابل السلام” نحو فرض الوقائع بالقوة، وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية عبر إضعاف دول المحيط العربي من الداخل. وما نراه اليوم ينسجم مع هذا الاتجاه، لا كنص يُطبّق حرفيًا، بل كمسار يتراكم على الأرض، ويمكن تلمّسه فيما آلت إليه بنية الدولة في سورية ولبنان والعراق، وفي الضغوط التي تُفرض على الأردن.
هزيمة حرب 1967 كشفت ضعف التنسيق العربي، بينما فتحت حرب 1973 مسارًا مختلفًا، اتجهت فيه بعض الدول إلى إعادة تعريف أولوياتها. ظهر تدريجيًا منطق “الخلاص الفردي” للدولة العربية العميقة، وتراجعت فكرة المشروع الجماعي. ثم جاءت اتفاقيات السلام، فنُقل الصراع إلى مسار تفاوضي محدود، استفردت فيه إسرائيل بالدول العربية دولةً دولةً.
في الداخل، ترافقت هذه التحولات مع ضعف في البناء المؤسسي للدول العربية وتنافس بيني، ما حدّ من القدرة والرغبة على إنتاج سياسة جماعية فعالة.
وخلاصة القول:
الخلل لم يكن في حدث واحد، بل في طريقة فهم الواقع وبناء السياسات عليه. لم يكن الفشل نتيجة غياب المعطيات، بل نتيجة اختزال الفاعلين وبناء السياسات على افتراضات لا تعكس الواقع، وربما فُرض ذلك بسبب ضعف استقلال القرار السياسي والاقتصادي.
قد يبدو هذا التوصيف قاسيًا، لكنه يطرح سؤالًا لا يمكن تجاوزه: هل كانت الخيارات محدودة فعلًا، أم أننا تعاملنا معها وكأنها كذلك؟ وهل كان الخلل في الواقع وحده، أم في الطريقة التي قرأناه بها؟
ليس الهدف من هذا الكلام تقريعًا، بل محاولة فهم تمهّد لسؤال أبسط وأصعب: ما العمل؟ وكيف نخرج من المأزق دون أن نعيد إنتاجه؟







