منصور يكتب: مستقبل الضمان الاجتماعي في الأردن

{title}
أخبار الأردن -

 

نضال منصور


من المتوقع أن تحسم لجنة العمل النيابية التصور النهائي للتعديلات على مشروع قانون الضمان الاجتماعي، وهي تنتظر إجابات من الحكومة على تعديلات اقترحتها، وكلما جاءت الردود الحكومية مبكرة زادت فرص إقراره داخل اللجنة وإحالته لمجلس النواب. ولا يمكن الجزم إن كان الوقت المتبقي من عمر الدورة البرلمانية يكفي لإقراره، أم سيرحل إلى دورة قادمة، ولكن المؤكد لدى الأغلبية النيابية أن مشروع القانون لن يُرد.
 

منذ قانون ضريبة الدخل الذي أطاح بحكومة الدكتور هاني الملقي، لم يحظَ قانون بهذا الجدل كما هو حاصل مع قانون الضمان الاجتماعي، فهذا القانون يمثل ركيزة أساسية للحماية الاجتماعية، ومواجهة الفقر، وخلق الشعور بالأمان الاجتماعي لدى قطاعات واسعة في المجتمع.
ديمومة الضمان الاجتماعي ضرورة وطنية متفق عليها، والاختلاف يتمثل في معاينة التحديات التي تواجه الضمان، وسبل الحل، والمقاربات المطلوبة لتحقيق الاستدامة، بما يكفل العدالة، ودون تحميل المشتركين كلف الأخطاء الإدارية المتراكمة، وبما يجنب الضمان الاجتماعي أي مخاطر مستقبلًا.
خطوة رئيس الوزراء بتقديم تعديل يضمن ألا يبدأ سريان التعديل على القانون إلا بعد عام 2030 خطوة إيجابية، والأفضل أن لا يسري مفعول التعديلات بأثر رجعي على المشتركين، وبعد تعديلات الحكومة اللاحقة النقاش والاختلاف لم يتوقفا حول إشكالية تحديد سن الشيخوخة للتقاعد للرجال والنساء، وكذلك قواعد التقاعد المبكر.
الحكومة اقترحت سن الشيخوخة للرجال 65 سنة، وللنساء 60 سنة، ولجنة العمل ترى أن السن الأنسب لتقاعد الرجال 62، وللنساء 57، ومن المتوقع التوافق بينهما نحو اعتماد سن 63 للرجال و58 للنساء، والتقاعد المبكر يُتفق على إبقاء الخصم 2 % لكل عام، وليس 4 % كما قدمت الحكومة.
الاستماع لرئيس لجنة العمل النيابية، النائب أندريه حواري، يكشف عن أبعاد وتصورات وإشكاليات جديدة طرحتها اللجنة في النقاش، أبرزها أن تصورات الحكومة في معاينة القانون وسنوات الخدمة تنطلق من واقع العمل في القطاع العام أكثر من معرفتها الوثيقة بقواعد سوق العمل في القطاع الخاص، علمًا- حسب معطيات اللجنة- أن القطاع العام يشكل 20 % من المشتركين، ولهذا طرح رئيس اللجنة توجهًا جديدًا باعتماد سنوات الاشتراك، وليس فقط عمرًا محددًا لتقاعد الشيخوخة، واستند في هذه المقاربة إلى أن 90 % من العمال في المصانع، وكذلك بعض المهن مثل التمريض، يبدأون رحلة العمل وهم دون سن العشرين، وليس من الإنصاف أن يبقوا محكومين بالسن المحدد للشيخوخة في ظل صعوبات الاستمرار في سوق العمل في هذه القطاعات.
الملاحظة الأخرى تتعلق بطريقة احتساب الراتب التقاعدي؛ ووفق الحواري لا يجوز إبقاء عامل المنفعة موحدًا لمن يتقاضى راتبًا لا يتجاوز 500 دينار، ومن يصل راتبه إلى آلاف الدنانير، والأصل وضع تدرج متناقص. فمثلًا، من يقل راتبه عن 500 دينار يكون عامل المنفعة 2.75 % وليس 2 % فقط، ويقل عامل المنفعة المحتسب مع زيادة الراتب، وهذا يحسن الرواتب التقاعدية للشريحة الأكبر من ذوي الدخل المحدود، ولا يكون لدينا من تقل رواتبهم التقاعدية عن الحد الأدنى للأجور.
الأمر الآخر الذي طرحه رئيس اللجنة على الحكومة وينتظر إجابات، هو: لماذا هناك سقف أعلى للراتب الخاضع للضمان؟ وهل كان هذا التوجه القانوني مفيدًا؟ وباعتقاده، وفق الأرقام والمعطيات، فإن من تزيد رواتبهم على 5 آلاف دينار، قد فوّت وضع هذا السقف على الضمان الاجتماعي عوائد اشتراكات تقارب 65 مليون دينار سنويًا، واستفادت منه مؤسسات مصرفية وشركات كبرى فقط.
على الأرجح ستصل الحكومة مع مجلس النواب إلى توافقات في القضايا الخلافية، لكن التعديلات المقدمة وحدها لا تشكل طريق الإنقاذ والخلاص للضمان الاجتماعي بشكل ثابت ودائم، ما لم يتم معالجة فجوة الشمول التأميني.
حجر الأساس لاستدامة الضمان يكمن في توسيع الشمول التأميني، فمن غير المقبول التركيز على سن الشيخوخة فقط، وفي الأردن ما يقارب 50 % غير مشتركين وخارج مظلة الضمان الاجتماعي.
الحكومة وإدارة الضمان مطالبتان بتقديم تصور مرن لعلاقات وسوق العمل، فالنظرة التقليدية التي تحكم قواعد العمل تغيرت؛ فهناك عمل عن بُعد، وهناك من يعمل من خلال التطبيقات، وهناك مهن كثيرة تحتاج إلى تصورات وحوافز للانخراط في الضمان، ونظام الاشتراكات المنصوص عليه لا يشجعهم على الانضمام.
الضمان الاجتماعي ليس بنكًا، بل هو تأمين للمستقبل، والدول التي تريد حماية الاستقرار في بلدانها تستثمر في الضمان؛ ولذلك على الحكومة أن تفكر في كيفية دعم مؤسسة الضمان. حوكمتها واستقلاليتها خطوة مهمة، ولكن هذا ليس كافيًا، والمطلوب خطوات إستراتيجية تحميها، وتحقق لها منافع تؤمن مستقبل الأردنيين.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية