القهيوي يكتب: حين تحسم النتائج.. أين يجب أن يكون الأردن؟
ليث القهيوي
لم تعد المنطقة تمر بمرحلة توتر عابر يمكن احتواؤه، ولا بحالة تفاوض مفتوح تسمح للدول بتأجيل تموضعها إلى أن تتضح الصورة. ما يجري اليوم في الإقليم أعمق من ذلك بكثير؛ إذ تتشكل خرائط النفوذ وموازين التأثير بهدوء، فيما تُعاد صياغة الأدوار السياسية والأمنية والاقتصادية بصورة تدريجية، قبل أن تظهر لاحقًا كأنها نتائج نهائية مفروضة بحكم الأمر الواقع. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الخطر الحقيقي في غياب المعلومات، بل في سوء فهم دلالاتها، أو في الافتراض أن الوقت لا يزال متاحًا للمراجعة والتأجيل.
بالنسبة للأردن، تكتسب هذه اللحظة طابعًا بالغ الحساسية. فالدول لا تُقاس في المراحل المفصلية فقط بما تملكه من عناصر قوة كامنة، بل بقدرتها على تحويل تلك العناصر إلى حضور فعلي داخل معادلات التشكيل الجديدة. وبين امتلاك المقومات، والقدرة على توظيفها سياسيًا وإستراتيجيًا، تتحدد مكانة الدولة في الإقليم المقبل. ففي لحظات الحسم، لا تُعاد صياغة الأدوار فقط… بل تُغلق أيضًا نوافذ اللحاق بها.
ومن هنا، لم يعد السؤال الأردني مجرد قراءة التطورات، بل القدرة على التأثير في نتائجها، أو على الأقل منع تآكل الموقع الوطني في لحظة إعادة الترتيب الكبرى.
لا يبدأ الأردن من نقطة ضعف مطلقة. فهو يمتلك رصيدًا مهمًا من الاستقرار المؤسسي، وخبرة طويلة في إدارة التوازنات الدقيقة داخل بيئة إقليمية مضطربة، فضلًا عن شبكة علاقات سياسية ودبلوماسية واسعة مكنته تاريخيًا من لعب أدوار تتجاوز حدوده الجغرافية وإمكاناته المادية. كما أن صورته بوصفه دولة قادرة على تجنب الانزلاق إلى الفوضى، تمنحه قيمة إضافية في إقليم يزداد اضطرابًا. وهذه كلها عناصر قوة حقيقية، لا يمكن التقليل من أهميتها، لكن التاريخ الحديث يثبت أن امتلاك عناصر القوة لا يكفي… إذا لم تُستخدم في اللحظة التي تُصنع فيها النتائج.
لكن المشكلة لا تكمن اليوم في وجود هذه المقومات، بل في كفايتها وحدها. فالاستقرار، مهما كان مهمًا، لا يتحول تلقائيًا إلى نفوذ. والمؤسسات، مهما بلغت درجة تماسكها، لا تنتج أثرًا سياسيًا ما لم تكن مدعومة بقدرة عالية على الحركة السريعة واتخاذ القرار تحت الضغط. وحتى التوازن، الذي لطالما شكّل جزءًا من فلسفة الدولة الأردنية في إدارة علاقاتها، لم يعد كافيًا إذا بقي في إطاره الدفاعي ولم يتطور إلى أداة مبادرة وتشكيل. فالمنطقة تدخل طورًا يُكافأ فيه الفاعل لا المراقب، ولم تعد تعاقب الضعيف فقط، بل تتجاوز المتردد، وتمنح فيه المساحات لمن يشارك في صناعة الترتيبات، لا لمن يكتفي بالتكيف معها.
في هذا السياق، لا يمكن فصل التحدي الخارجي عن الواقع الداخلي. فالاقتصاد الأردني لم يعد مجرد ملف تنموي منفصل عن الحسابات الإستراتيجية، بل أصبح عاملًا مباشرًا في قياس القدرة الوطنية على الصمود والمناورة. ضغوط الدين العام، تباطؤ النمو، البطالة، وارتفاع كلفة المعيشة، كلها ليست مؤشرات اقتصادية فحسب، بل محددات سياسية أيضًا، لأنها تؤثر في هامش القرار، وتضعف قدرة الدولة على تحمّل كلفة التموضع أو المبادرة.
وفي مثل هذه الظروف، لا يصبح السؤال كيف نتحرك… بل كم نملك القدرة على تحمل نتائج هذا التحرك.
فالدولة التي تدخل مرحلة إقليمية ضاغطة باقتصاد هش، تجد نفسها أكثر ميلًا إلى رد الفعل، وأقل قدرة على صياغة خيارات مستقلة.
الأمر نفسه ينطبق على البعد الاجتماعي والسياسي. فالتآكل التدريجي للطبقة الوسطى، واستمرار بطالة الشباب، واتساع الفجوة بين التوقعات العامة وما يتحقق فعليًا، كلها مؤشرات تمسّ منسوب الثقة الداخلية. وهذه الثقة ليست تفصيلًا ثانويًا، بل شرط من شروط القوة الوطنية. فالدول لا تخوض لحظات التحول الكبرى فقط بما لديها من موارد أو تحالفات، بل بما تملكه من تماسك داخلي وإجماع وطني وقدرة على تعبئة المجتمع خلف أولويات واضحة. ومن دون ذلك، يصبح أي تحرك خارجي محدودًا، لأن الداخل نفسه يكون منشغلًا بتكلفته أكثر من فرصه.
لهذا، فإن المطلوب أردنيًا لم يعد الاكتفاء بإدارة الضغوط، بل الانتقال إلى سياسة أكثر فاعلية تقوم على ثلاث ركائز: تعزيز المناعة الاقتصادية، وترميم الثقة الاجتماعية، ورفع كفاءة القرار السياسي من مستوى الاحتواء إلى مستوى المبادرة. فالموقع الجيوسياسي للأردن، وعلاقاته العربية والدولية، وقدرته على تقديم نفسه كمساحة استقرار موثوقة، كلها أوراق مهمة، لكنها تحتاج إلى رؤية واضحة لكيفية تحويلها إلى وزن مؤثر في لحظة الحسم الإقليمي.
الخطر ليس فقط في أن يخطئ الأردن التقدير، بل في أن تُحسم النتائج من حوله بينما لا يزال يعيد ترتيب أولوياته. فالتحولات الجارية لن تترك لاحقًا هامشًا واسعًا لإعادة التمركز، وما يُصاغ اليوم بوصفه توازنات مؤقتة، قد يصبح غدًا حدودًا ثابتة لا يمكن تجاوزها.
وفي لحظة كهذه، لا يكون التحدي أن يبقى الأردن حاضرًا… بل أن يكون حاضرًا في المكان الذي تُصنع فيه النتائج.
لأن الدول لا تخسر فقط حين تغيب… بل حين تصل متأخرة إلى واقع لم تعد حتى محاولة تغييره.







