سامر عازر يكتب: القدس ما زالت ترزح تحت قيود مشددة

{title}
أخبار الأردن -


القس الأب سامر عازر

ليست القدس مدينةً عادية تُقاس بجغرافيتها أو تُختزل في حدودها، بل هي سرٌّ إلهي مفتوح على التاريخ والسماء معًا؛ هي العاصمة الروحية لمليارات المؤمنين حول العالم، حيث تلاقت عند أبوابها لغات الأرض وصلوات القلوب، وتقاطعت في أزقتها خطى الأنبياء والقديسين والحجاج. وستبقى، رغم كل ما يعتريها، مشتهى القلوب ومهوى الأفئدة، يقصدها المؤمنون طلبًا للبركة والتقديس واللقاء مع الله.

القدس ليست مجرد مكانٍ للعبادة، بل هي اختبار حيّ لمعنى الإيمان ذاته. فيها تجلّت أعظم اللمسات الإلهية التي سعت إلى تحرير الإنسان من عبودية الخطيئة والشر، وإعادته إلى صورته الأولى التي أرادها الله: صورة النقاء والمحبة. على أرضها انتصر الخير على الشر، وغلب الحب الكراهية، وتصالح الإنسان مع خالقه ومع أخيه الإنسان. من هنا، فإن القدس ليست فقط مدينة مقدسة، بل هي معيار روحي يُقاس عليه عمق إيماننا، إذ لا يكتمل هذا الإيمان إلا بانفتاحنا على رسالتها الجامعة التي تدعو إلى السلام والمصالحة والقداسة.

ومع كل ما تحمله هذه المدينة من رمزية روحية عميقة، فإن واقعها اليوم لا يزال مثقلاً بالقيود. صحيح أن أبواب المقدسات قد فُتحت بعد إغلاقٍ دام أربعين يومًا تحت ذرائع الحرب والدواعي الأمنية، إلا أن فتح الأبواب لم يُترجم إلى حرية حقيقية في الوصول إليها. فما زالت الحواجز والإجراءات والسياسات المفروضة تُعيق حركة المؤمنين، وتحدّ من قدرتهم على ممارسة شعائرهم الدينية وطقوسهم المتوارثة، تلك الطقوس التي شكّلت عبر القرون هوية القدس وروحها الخاصة.


لقد جاءت انفراجة فتح أبواب كنيسة القيامة والمسجد الأقصى منقوصة، إذ رافقتها قيودٌ أفرغت هذا الفتح من مضمونه الحقيقي. فبدل أن تعود المدينة إلى نبضها الطبيعي في أسبوع الآلام والقيامة المجيدة، بقيت الأجواء مثقلة بالمنع والتقييد. في مثل هذه الأيام، كانت القدس تستقبل مئات الآلاف من المؤمنين، تمتلئ شوارع البلدة القديمة بالحياة، وتتعانق أصوات قرع أجراس الكنائس مع تكبيرات المآذن، في لوحة روحية فريدة تُجسد معنى العيش المشترك. أما اليوم، فقد خفَت هذا المشهد، وتراجع حضوره تحت وطأة القيود، مما ألقى بظلاله ليس فقط على الحياة الدينية، بل أيضًا على الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة وأهلها.


إن استمرار هذا الواقع لا يمكن قبوله أو التكيف معه، لأن القدس، في جوهرها، لا تحتمل القيود ولا تُختزل في سياسات تُضيّق أفقها الروحي. فالمدينة التي خُلقت لتكون فضاءً مفتوحًا للقاء الله، لا يجوز أن تتحول إلى مكانٍ يُمنع فيه المؤمن من الوصول إلى مقدساته. كما أن محاولة تغيير طابعها أو طمس معالمها أو العبث بتاريخها ووضعها القائم، هو اعتداء على هويتها ورسالتها التي تتجاوز كل حسابات السياسة والسلطة.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الوصاية الهاشمية التاريخية والدينية، التي شكّلت على مدى عقود صمام أمان لحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، والحفاظ على طابعها العربي وهويتها الروحية الجامعة. إن هذه الوصاية ليست مجرد إطار إداري، بل هي مسؤولية أخلاقية وتاريخية تهدف إلى صون حرية العبادة وضمان وصول المؤمنين من مختلف أنحاء العالم إلى مقدساتهم دون تمييز أو إقصاء. وأي مساس بهذه الوصاية هو انتهاك صارخ لخصوصية القدس، وتعدٍّ على رسالتها العالمية التي تقوم على الانفتاح والتعددية والقداسة.

إن القدس اليوم، وهي ترزح تحت قيود مشددة، لا تحتاج فقط إلى بيانات أو مواقف، بل إلى وعي روحي عالمي يعيد الاعتبار لقداستها، ويُدرك أن المساس بها هو مساس بجوهر الإيمان الإنساني. فالقدس ليست قضية شعبٍ أو دينٍ فحسب، بل هي أمانة في ضمير البشرية جمعاء.

ورغم كل القيود، تبقى القدس أكبر من كل محاولات الحصار. ستظل مدينة القيامة ومدينة الإسراء، التي تعرف كيف تنهض من بين الألم، وكيف تُحوّل الجراح إلى رجاء. لأن الذي قدّسها بنوره، لا يزال حاضرًا فيها، يدعو العالم من جديد إلى طريق السلام الحقيقي، ذاك السلام الذي لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى على العدالة والحرية وكرامة الإنسان.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية