سامر عازر يكتب: الجمعة العظيمة وآلام البشرية

{title}
أخبار الأردن -


القس الأب سامر عازر

الجمعة العظيمة ليست مجرد ذكرى دينية عابرة في حياة المؤمنين، بل هي وقفة وجودية عميقة أمام سر الألم الإنساني بكل أبعاده، حيث تلتقي آلام المسيح بآلام البشرية عبر العصور. ففي تلك اللحظة الفاصلة على خشبة الصليب، حين ارتفعت صرخة يسوع: "إلهي إلهي لماذا تركتني؟"، لم تكن مجرد كلمات عابرة في سياق الألم، بل كانت صرخة تختزل وجع الإنسان في كل زمان ومكان، صرخة كل مظلوم، كل مكلوم، كل منكسر، وكل من أثقلته قسوة الحياة وظلم الإنسان لأخيه الإنسان.

إن آلام البشرية لم تتوقف يومًا، ولن تتوقف ما دام الشر حاضرًا في العالم، وما دام الإنسان يخضع لإغراءات القوة والسلطة والمال والشهرة. تلك التجربة التي واجهها المسيح في البرية، حين عُرضت عليه ممالك الأرض كلها مقابل السجود لإبليس، ما تزال تتكرر بأشكال مختلفة في حياتنا اليومية. إنها التجربة ذاتها التي تسقط فيها نفوس كثيرة، فتلهث وراء سراب المجد الزائل، وتفقد ذاتها ورسالتها وكرامتها الإنسانية. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن يتحول الإنسان من حامل لصورة الله إلى عبدٍ لشهواته ومصالحه.

أمام صرخة الصليب، نقف اليوم ونتساءل: أين الله من آلامنا؟ أين العدل وسط هذا الكم الهائل من الظلم؟ هل يتركنا الله في لحظات الانكسار؟ قد يبدو للبعض أن الله صامت أو غائب، لكن الإيمان المسيحي يكشف لنا سرًا عميقًا: الله لا يقف بعيدًا عن الألم، بل يدخل فيه. في المسيح، الله يتألم معنا، ويبكي معنا، ويحمل معنا ثقل المعاناة. إن الصليب ليس علامة غياب الله، بل هو أعمق إعلان عن حضوره في قلب الألم.

فالله لا يعدنا بحياة خالية من المعاناة، لكنه يعدنا ألا نكون وحدنا فيها. قد لا يَرفَع الألم عنا، لكنه يمنحنا القوة لنحتمله، ويزرع في داخلنا رجاءً يتجاوز حدود الواقع. من وسط الجراح يولد الرجاء، ومن عمق الألم ينبثق معنى جديد للحياة. وهذا ما يجعل الألم، في المنظور الإيماني، ليس نهاية الطريق، بل معبرًا نحو قيامة جديدة.

إن أسباب الألم متعددة، وهي جزء من واقعنا البشري المكسور، لكن إرادة الله الخلاصية تتجه دائمًا نحو الشفاء والتعزية. الله يريد أن يمسح كل دمعة، وأن يبدد كل حزن، وأن يحرر الإنسان من قيود اليأس. لذلك نحن مدعوون إلى الصبر والاحتمال والصلاة، لا كإستسلام للواقع، بل كقوة روحية تقودنا إلى التغيير. إن قوة القيامة التي انبثقت من ظلمة الجمعة العظيمة قادرة أن تعمل فينا، فتشفي جراحنا وتعيد بناء إنسانيتنا.

وفي البعد التاريخي، لطالما سقط الطغاة الذين ظنوا أن سلطانهم أبدي. من هيرودس الذي انتهى نهاية مهينة، إلى كل من استبد وتجبر عبر التاريخ، تثبت لنا الأحداث أن الظلم لا يدوم، وأن العدالة الإلهية، وإن تأخرت، لا تغيب. الله "ينزل الأعزاء عن الكراسي ويرفع المتضعين"، وهذه ليست مجرد كلمات، بل قانون إلهي يعمل في مسار التاريخ.

أما في واقعنا اليوم، فإن آلام البشرية تحيط بنا من كل جانب: حروب، فقر، قهر، استغلال، وغياب للعدالة. وهنا لا تقف رسالة الجمعة العظيمة عند التأمل، بل تتعداه إلى المسؤولية. نحن مدعوون أن نكون شركاء في تخفيف آلام الآخرين، أن نحمل بعضنا أثقال بعض، وأن نحول الإيمان إلى فعل محبة وخدمة. فالصليب الذي نتأمله ليس دعوة للحزن فقط، بل دعوة للعمل، للوقوف إلى جانب المتألمين، ولإعادة الكرامة لكل إنسان مسحوق.

إن الجمعة العظيمة تحمل أيضًا رسالة واضحة إلى أصحاب السلطان والنفوذ: لا تغتروا بقوتكم، فكل سلطان هو عطيّة من فوق، وكما قال المسيح لبيلاطس: "ليس لك سلطان عليّ لو لم تُعطَ من فوق". السلطة ليست امتيازًا للاستغلال، بل أمانة للمسؤولية. وكل من يسيء استخدامها إنما يحكم على نفسه بالسقوط، مهما طال الزمن.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأعمق التي تكشفها لنا الجمعة العظيمة هي أن الألم ليس الكلمة الأخيرة. فكما تحولت آلام الصليب إلى مجد القيامة، كذلك يمكن لآلامنا أن تتحول إلى حياة جديدة إن عشناها بالإيمان والرجاء. إن نور القيامة لا يُلغِي الصليب، بل يضفي عليه معنى، ويكشف أن الحب أقوى من الموت، وأن الله أقوى من كل شر.

لذلك، ونحن نتأمل آلام المسيح، لنتذكر أن آلامنا قريبة من قلب الله، وأنها لا تحجب نور محبته عنا، بل تقودنا إليه. فلنثق، كما وثق أيوب النبي، بعدل الله وصلاحه، ولنجعل من إيماننا قوة تغيّر الواقع، لا مجرد عزاء مؤقت. وهنا يكمن سر قوة المسيحية: أنها لا تهرب من الألم، بل تحوّله إلى طريق خلاص، ومن الجلجلة إلى فجر القيامة.
(الصورة من أمام الحجر الزكي الذي وضعي عليه جسد المسيح بعد أنزاله عن الصليب في كنيسة القيامة ٢٠٢٦/٤/٩)
 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية