وليد عبد الحي يكتب: معركة مضيق هرمز :الى أين؟
وليد عبد الحي
نجحت ايران وبوضوح لا لُبس فيه في "توظيف" الاهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز لتحقيق مكاسب استراتيجية من خلال التداعيات المترتبة على "ارباك أو حتى اغلاق" المضيق في وجه تدفق الطاقة للاسواق العالمية، فقد ادرك الايرانيون ان التفاوض المنفصل عن متغيرات القوة باشكالها المختلفة – كما هو في أدبيات النظام الرسمي العربي- يتحول الى ما يمكن اعتباره "رياضة عقلية" لا أكثر.
من زاوية أخرى،فإن استمرار اسرائيل في الحرب على لبنان هو عمل تفاوضي لتحقيق مكاسب استراتيجية ( كالامل في الوصول الى نقطة سحب سلاح حزب الله او التفاوض المباشر مع الدبلوماسية اللبنانية على امل تطبيع العلاقات بين الطرفين ) او مكاسب تكتيكية ( اغلبها لها علاقة بمشكلات داخلية في اسرائيل).
اما الطرف الامريكي ، فانه يشهد "استبداد البيت الابيض في اتخاذ القرار على حساب التلاعب بوظائف مؤسسات الدولة"،وهو ما يجعل الهم الفردي "للرئيس ترامب " يزاحم ضرورات الدولة قدر ما يستطيع، فهو يريد تعظيم مكانته استجابة لنرجسيته المرضية، ويسعى لدفن ملفات ابستين ، ولتحقيق انتصارات رمزية تجعل مساءلته القانونية _Impeachment – غير مطروحة سواء موضوع المادة 25 من الدستور (العزل او العجز عن القيام بوظائفه) او المواد 1 و 2 من القسم 8 في الدستور( من يُعلن الحرب).
المعركة القانونية لمضيق هرمز: المرور العابر ام المرور البريء؟
من الضروري بداية الاشارة الى أن معالجة القانون الدولي لموضوع المياه الاقليمية للدول تطور مداه من 3 ميل بحري (حتى منتصف القرن الماضي) وهو ما بُني على قاعدة "مدى المدفع الساحلي"، ليصبح مع اتفاقية الامم المتحدة لقانون البحار 1982 ما يساوي 12 ميلا من نقطة بدء القياس وهي خط الاساس الساحلي ، لكن الامر الذي يجب التنبه له أن ايران وافقت على اتفاقية الامم المتحدة(12 ميلا) لكنها لم تصادق عليها ،وهو ما يجعلها في حِلٍ من الالتزام.
وما يهمنا هنا، هل يحق لايران اغلاق المضيق الذي تتشارك فيه مع سلطنة عمان في منطقة تمتد حوالي من 18-21 ميلا بحريا( 33-39 كيلو متر) ؟ ، وهو ما يعني انه في حالة تطبيق اتفاقية الامم المتحدة(12 ميلا لكل من طرفي المضيق) سيكون هناك تداخل بين المياه الاقليمية العمانية والايرانية، لكن عُمان بصمتها تبدو كما لو انها "لا تزاحم ايران في البعد القانوني للمسألة،وهو ما يشد من عضد الموقف الايراني في البعد القانوني.
يميل الموقف الايراني في الجانب القانوني الى توظيف موضوع المرور البريء(او الآمن) الذي يشترط عدم اغلاق المضيق الدولي الا في حالة محددة وهي ان لا تكون السفن المارة تشكل تهديدا "لأمن " الدولة المشاطئة للمضيق، وهو ما يعني ان السفن الحربية او اية سفن تراها ايران خطرا امنيا عليها يعطيها حق عرقلة مرورها او منعها، لكن ايران ليست طرفا في اتفاقية البحار الدولية لانها لما تصادق عليها ،فهل سيتم طرح المصادقة على اتفاقية الامم المتحدة لاحقا من الجانب الايراني؟ ذلك يعني ان ايران ستتشبث يحق المرور البريء(Innocent Passage )وتُهمش التعاطي مع حق المرور العابر(Transit Passage) على الاقل في المدى القصير(من سنة الى 3).
بغض النظر عن البعد القانوني ،فان ايران نجحت في تحويل المضيق لمشكلة لاغلب دول العالم ،مما حشد الجميع للضغط على الولايات المتحدة واسرائيل للقبول بوقف اطلاق النار ، ومن هنا ،فان ايران لن تتخلى عن هذا الجانب الا بعد ان تدرك انها حققت اقصى ما يمكنها ،والسياسة فن الممكن، لذا فان ايران ستُبقي سيف هرمز مشرعا خلال المفاوضات.
ولكن كيف ستغلق ايران المضيق؟ تستطيع ذلك بقدر ليس بالقليل من خلال الالغام البحرية والزوارق السريعة والصواريخ الساحلية والمسيرات والغواصات الصغيرة ،وهو ما يعطل الملاحة ويجعل تكلفة المرور عالية جدا، لذل امام ايران عدة احتمالات:
أ- الاغلاق الرمزي لتحقيق ضغوط سياسية دون بلوغ العودة للحرب الشاملة
ب- التعطيل قصير المدى (من اسبوع الى اربعة اسابيع)،وهو الارجح مع التعديل في القيود طبقا لتقدم المفاوضات
ت- الاغلاق التام ،وهو ما سيقود لحرب واسعة وعزلة اوروبية
ذلك يعني ان السيناريو الثاني (التعطيل قصير المدى ) هو الارجح في حدود 55-60%، بينما تبدو الاحتمالات الاخرى اضعف من ذلك.
هل تتخلى ايران عن حلفائها في محور المقاومة؟ تدرك ايران ان تكلفة الابقاء على هذا المحور كبيرة للغاية، وثمنه السياسي والعسكري والاقتصادي كبير ،ومن المعروف ان الهموم الخارجية تمتص قدرا كبيرا من التشنجات الداخلية، وهو ما اتضح في تواري المعارضة الايرانية من الشارع مع احتدام المواجهة، بل ان وقوف حزب الله والحشد الشعبي وانصار الله بجانب ايران اضعف من حجة تكاليف هذا المحور في الحوار الداخلي الايراني، وعليه ،فتخلي ايران عن محورها سيفقدها مصداقيتها الداخلية والاقليمية والدولية،وهو رهان لو تعلمون عظيما.
ما ستفعله ايران؟
ستحاول ابتزاز الطرفين الآخرين(اسرائيل وامريكا ) للحصول على تنازلات في مجال البرنامج النووي وتفرعاته الصاروخية وفي مجال العقوبات المفروضة عليها ، وهما ابرز اهداف ايران.
اما الطرف الاسرائيلي، فموقفه مرتبط ارتباطا وثيقا بموقف الولايات المتحدة، لكن اسرائيل ستسعى لخلق ظروف هدفها المركزي تقديم تنازلات من جانبها مقابل سحب سلاح حزب الله(كهدف استراتيجي) او القبول الاولي بتطبيع العلاقات مع لبنان وتجاوز اعتراضات حزب الله (وأن يتم ذلك على اساس لقاءات رسمية بين مندوبين لبنانيين واسرائيليين وبشكل علني ومصور) مع التأكيد الاسرائيلي على عدم طرح الموضوع الفلسطيني بالتفاوض الامريكي الايراني في باكستان، وربما يكون الهدف الاخير "الموضوع الفلسطيني" هو الاقرب لتحقيقه لصالح اسرائيل ولو تكتيكيا ومؤقتا .
اما الولايات المتحدة فان الرئيس ترامب في "حيص بيص "، فلم يعد احد يأخذ ادعاءاته على محمل الجد ،ولم يتمكن من تغيير النظام في ايران، بل ان هجماته الهوجاء عززت النظام الايراني على حساب المعارضة التي راهن عليها، وفي تقديري فان روسيا ستبقى الشبح الذي يلعب من وراء ستار ، وهو ما سيجد ترامب نفسه بين ضغوط اوروبية بسبب العبء الاقتصادي على اوروبا ، وداخلية( تراجع شعبيته،الضغوط الديمقراطية، تشقق اولي في الحزب الجمهوري، صورته المضطربة في الذهن الشعبي، وفضائح ابستين، وتهديدات الكونجرس..الخ) وضغوط روسية( عدم استفزار روسيا سواء من الباب العميل((Agent او من باب الذخر(( Assetوهناك ايضا ضغوط العناد الايراني بخاصة بعد اصطفاف اغلب الدول الفاعلة وراء ضرورة لجم نيتنياهو في لبنان.
كل النتائج ستكون على حساب الطرف العربي، تغييب موضوع غزة واشغال العالم بأمور اخرى، الدمار الذي اصاب اقتصاديات دول الخليج، الحرج السياسي الذي جعل الدول العربية ملعبا لا لاعبا، اهتزاز اكبر في صورة الدول العربية، تخزين شكوك مبتادلة بين دول عربية خليجية فيما بينها او خليجية وعربية اخرى،وستظهر هذه التداعيات قريبا ملفوفة بادبيات غرائزية تغذيها قنوات سكاي نيوز والجزيرة والعربية ، وقد تتطور لبعض اشكال التحرش الخشن...
اما "البجعة السوداء" فامرها عند " ربما"...





