العتوم يكتب: من استهداف إيران إلى استنزاف الخليج والأردن: هل بدأ أخطر سيناريو في المنطقة؟
د . نبيل العتوم
ما يحدث اليوم لم يعد مجرد حرب وتصفية حسابات بين إيران وأميركا واسرائيل بعد انتهاء مهمة دولة الولي الفقيه الوظيفية لتخريب المنطقة وبث الفوضى فيها واستنزافها ، بل ما يحدث يا ساده هو باختصار مسار متكامل يطبخ على نار هادئة لإعادة رسم موازين القوة في المنطقة على حساب الأمن والاستقرار العربي ، وبناءً على ذلك، المؤشرات واضحة: الهدف لم يعد إيران فقط -ونحن غير أسفين على نظامها الارهابي طبعا _ بل دول الخليج بأكملها ، اضافة الى الأردن بما يفرضه عليه موقعه الجغرافي الحرج في قلب هذا الصراع. كل ضربة، وكل تهديد، وكل قرار سياسي أو عسكري، يصب في هذا السيناريو المريع.
وفي هذا السياق؛ فالضربات الأخيرة على منشآت الغاز والطاقة في الخليج ليست مجرد أحداث عابرة، بل إشارات واضحة لاستراتيجية “الإرهاق المستمر”. فاقتصاديات الدول الخليجية باتت تتعرض لضغوط هائلة، وكلفة الحماية ترتفع بشكل غير مسبوق، فيما النظام الإيراني يختبر صبر المنطقة في حسابات انتقامية عدوانية مدفوعة بثأر فارسي عمره مئات السنين ، مما يفتح الباب أمام انهيار الاستقرار الاقليمي تدريجيًا.
وعليه، الأردن، رغم أنه لم يكن طرفًا مباشرًا في المواجهة، أصبح معرضًا اليوم للتداعيات بشكل كبير... الحدود مع العراق وسوريا تمثل نقاط تماس محتملة للفوضى، سواء عبر الميليشيات أو عمليات تهريب السلاح و استهدافه عسكريا واستخباريا واقتصاديا .من هنا فان أي تصعيد كبير في الخليج أو العراق أو سوريا أو لبنان أو الضفة الغربية سينعكس فورًا على المملكة، وهذا يجعل الأردن جزءًا لا يتجزأ من هذا السيناريو المريع.
والأخطر من ذلك، ما يجعل الوضع أكثر خطورة هو أن المنطقة دخلت مرحلة “الفوضى المنظمة”: فالتصعيد بات ليس وسيلة لإنهاء الحرب، بل أداة مستمرة لإضعاف الجميع تدريجيًا... كل يوم يمر، ترتفع فيه كلفة الحماية، وتتآكل الاستثمارات، ويضعف الأمن الداخلي، وتزداد الجرأة للاعتداء على قدرات المنطقة ، وتساهل التعامل معها، وتنتقل الدول الكبرى الى مربع اعلان التضامن مع دول المنطقة والادانة والاستنكار والشعور بالأسف ، وبالتالي تصبح الخيارات محدودة وتتعقد الأمور بشكل أكثر خطورة .
وبالتوازي مع ذلك، يتضح هدف ما يسمى بـ “شرق أوسط جديد” ؛ فالحديث ليس عن إيران وحدها، بل عن إعادة توزيع القوى وإضعاف الأنظمة التقليدية، بما يشمل الخليج والأردن. هذا المشروع لا يعلن عن نفسه صراحة، لكنه يُنفذ خطوة بخطوة، من خلال خلق ضغوط مستمرة وتصعيد متعمد ، وإعادة تشكيل التحالفات بالقوة ، ورسم سيناريوهات جهنمية للمنطقة .
وفي ضوء كل ذلك، إن استمر الوضع على هذا النحو ؛ فإن الخطر لن يكون سقوط دولة هنا أو خسارة نفوذ هناك، بل انهيار منظومة الاستقرار الإقليمي بالكامل ، ومن هنا ستكون كل دولة عربية، كبيرة كانت أم صغيرة، معرضة للتداعيات مباشرة: اقتصادات منهكة، أمن هش، واستقرار داخلي على بات على المحك.
وبناءً على هذه المعطيات، الرسالة واضحة وتحذيرية: على الدول العربية، أن تتصرف الآن بحكمة ووعي ومسؤلية ، وتعزز قدراتها الدفاعية والاقتصادية....والتفكير خارج الصندوق تماما ، قبل أن تجد نفسها محاصرة في أخطر سيناريو في تاريخها الحديث—سيناريو ليس فيه خيار للحسم، بل لإضعاف الجميع وتدمير قدراتها حتى آخر لحظة .





