القس الأب سامر عازر يكتب: القدس بأنوار أهلها ومقدساتها وأسواقها
القدس ليست حجارةً تُرصّ فوق حجارة، ولا أبوابًا تُفتح وتُغلق وفق ضروراتٍ عابرة، بل هي روحٌ نابضة؛ إذا خَفَتَ نورها اختنق المكان، وإذا أُطفئت قناديلها خبا فينا شيءٌ من الإيمان ذاته. هي مدينةٌ لا تُقاس بمساحتها داخل الأسوار، بل بما تحمله من حضورٍ إلهيٍّ في وجدان المؤمنين، وبما تختزنه من ذاكرةٍ خلاصيةٍ تمتد من عمق التاريخ إلى رجاء القيامة.
ما بين البارحة واليوم، لا مجال للمقارنة البتّة. فقد شهدت أبواب القدس زمنًا موصدًا، كأنها تحجب النور عن أهل النور، وتمنع الخطى من أن تبلغ غايتها. أزقة البلدة القديمة، التي طالما ضجّت بالحياة، بدت كأنها تئنّ من فراغها؛ حواريها صامتة، وأسواقها التي كانت تعجّ بالحجاج والزوار غدت شبه خاوية. أما المقدسات، فقد وقفت أبوابها مغلقة، بلا مصلين ولا ساجدين، وكأن الزمن فيها قد توقّف، أو كأن المدينة دخلت في صومٍ قاسٍ لا بإرادتها.
فالقدس لا تتجمّل إلا بأهلها وبحجاجها، ولا تزهو إلا حين تُفتح أبواب كنيسة القيامة والمسجد الأقصى معًا، ويُرفع فيها الأذان وتُقرع الأجراس، وترتفع فيها الصلوات، وتُضاء فيها الشموع، وتتعالى فيها الترانيم. لا معنى لقدسٍ بلا حجاج، ولا لأسواقٍ بلا حركة، ولا لأبوابٍ لا تعبرها قلوب المؤمنين قبل أقدامهم.
كيف ننسى أن فيروز مرّت يومًا في أسواق القدس، فأنشدت لها من وجدانها، ومن عبقرية الأخوين رحباني، ما جعل المدينة قصيدةً لا تنتهي؟ يومها لم تكن القدس مكانًا يُزار فقط، بل كانت تُرتَّل كصلاة، وتُغنّى كإيمانٍ حي. فقد صدحت: "لأجلك يا مدينة الصلاة أُصلّي"، فاختزلت القدس في جوهرها الروحي العميق، مدينةً للقاء بين الأرض والسماء. وغنّت أيضًا: "القدس لنا، والبيت لنا"، لتؤكد أن الانتماء إليها ليس مجرد موقف، بل هو انغراسٌ في التاريخ والوجدان والإيمان. يومها كانت الأغنية فعل حضور، وكانت القدس تُغنّى لأنها كانت حيّة في ناسها، عامرةً بزائريها، نابضةً بصلواتها.
أما اليوم، فالصورة مختلفة… بل متحوّلة. فبعد إغلاقٍ دام أربعين يومًا تحت ذرائع أمنية، عادت المدينة لتتنفّس من جديد. دخلت جموع المصلين أفواجًا أفواجًا، بقلوبٍ متلهفة، وعيونٍ دامعة من الفرح. كانوا يسيرون في ساحاتها كأنهم يكتشفونها للمرة الأولى؛ يتفقدون زواياها، يلمسون حجارتها، ويلتقطون الصور لا للذكرى فقط، بل لتوثيق لحظة استعادة الحياة.
هناك، في باحات المقدسات، لم تكن الأصوات عادية؛ بل كانت تسابيح شكرٍ ودموع رجاء. سُمعت الأدعية ترتفع إلى الله من أجل وقف آلة الحرب، ومن أجل شفاء الأرض من جراحها، ومن أجل أن تعود الحياة إلى طبيعتها، وأن يُصان حق الإنسان في العبادة، وفي الوصول الحرّ إلى الأماكن المقدسة دون قيدٍ أو خوف.
في تلك اللحظات، بدا واضحًا أن القدس لا تموت، بل تُختبر؛ وأن إغلاق أبوابها ليس إلا انقطاعًا مؤقتًا في نبضها، سرعان ما يعود أقوى مما كان. فالمدينة التي شهدت الآلام، هي ذاتها التي شهدت القيامة، ولا يمكن لمنطق القيامة أن يُهزم أمام واقعٍ عابر.
وفي خضمّ هذا المشهد، لا بد من التوقف عند الدور المحوري الذي قامت به المملكة الأردنية الهاشمية، في إطار مسؤوليتها التاريخية والدينية تجاه المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. فقد شكّلت الوصاية الهاشمية على هذه المقدسات صمّام أمانٍ حقيقيًا، ليس فقط في الحفاظ على طابعها، بل في الدفاع عن حق المؤمنين في الوصول إليها.
ويبرز هنا الدور الذي اضطلع به الملك عبدالله الثاني بن الحسين، الذي لم يدّخر جهدًا سياسيًا ودبلوماسيًا في المناشدة بفتح أبواب المقدسات، ولا سيما في هذه الأيام المقدسة من أسبوع الآلام وعيد القيامة المجيدة. لقد جاء هذا الجهد تعبيرًا عن التزامٍ تاريخيٍّ أصيل، ورسالةٍ تتجاوز السياسة إلى حماية الإرث الروحي والإنساني للمدينة.
ما بين الأمس واليوم، حالةٌ لا توصف. فكيف يُمنع المؤمن من صلاته؟ وكيف تُحجب الشموع عن أن تُضاء في مواضع النور؟ كيف يُحال بين الإنسان وركوعه وسجوده في أقدس بقاع الأرض؟ وكيف تُختزل الأعياد، التي هي في جوهرها فرحٌ جماعيّ، إلى طقوسٍ باهتة أو مؤجلة؟
القدس لا تُختصر في شعائر، بل في حياةٍ كاملة: في أيام الجمع والآحاد، في آذان الجوامع وأجراس الكنائس، في المناسبات والأعياد الدينية الإسلامية والمسيحية، في المسيرات الكشفية التي تجوب شوارعها، في التلويح بسعوف النخيل والشعانين، في مسيرة درب الآلام، في فيض النور المقدس سبت النور، وفي قداديس عيد القيامة، في نداءات الباعة في أسواقها، في رائحة البخور والشموع والمسابح، في ازدحام الزوار الذي يمنح المكان معناه. إنها مدينة الفرح رغم الألم، ومدينة القيامة رغم كل صليب.
إن أهل القدس، الحراس الأمناء على مقدساتها، لا يحملون مفاتيح الحجر فقط، بل مفاتيح الرسالة؛ رسالة المحبة والسلام والوئام، التي تنطق بها المدينة في كل زاوية من زواياها. وحين تُفتح أبوابها، لا يُفتح مكانٌ جغرافي، بل يُفتح أفقٌ روحيٌّ للعالم كله.
وهكذا تبقى القدس مدينةً بأنوار أهلها، وبقداسة مقدساتها، وبنبض أسواقها. وإن خَفَت نورها يومًا، فإن في داخلها سرّ القيامة، الذي لا يسمح للظلمة أن تكون الكلمة الأخيرة.





