منصور يكتب: الذكاء الاصطناعي باحثا وناشرا

{title}
أخبار الأردن -

 

د.عاصم منصور


قرأت الأسبوع الماضي مقالا جميلا ومهما للصديق موفق ملكاوي بعنوان «بقلم الذكاء الاصطناعي»، تعرض فيه لظاهرة الاستعانة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي في كتابة مقالات الرأي وما ينتج عن ذلك من مقالات بلا روح أو هوية، وأود أن أضيف هنا أن هذه الممارسة ليست مقصورة على مقالات الرأي بل تجاوزته إلى المقالات العلمية والتي ثار حولها مؤخرا العديد من الفضائح، عندما لم يكلف بعض الباحثين أنفسهم عناء مراجعة المادة المنشورة وتركوا خلفهم أدلة جرمية واضحة تدل على أن المقالة من نتاج تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
 

ظاهرة انتحال المقالات العلمية ليست مستجدة فقد كان يلجأ بعض قليلي الهمة والكفاءة من الباحثين والأكاديميين إلى باحثين آخرين وحتى إلى مؤسسات تقدم هذه الخدمة لمساعدتهم في كتابة بعض الأبحاث بغرض الترقية الأكاديمية، لكن في ظل الثورة الرقمية المتسارعة، برز الذكاء الاصطناعي كأحد أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل مختلف المجالات، ومن ضمنها البحث العلمي. فقد ظهرت تطبيقات قادرة على إنتاج نصوص أكاديمية وتحليل بيانات وصياغة أفكار خلال ثوانٍ معدودة، مما دفع بعض الباحثين إلى الاعتماد عليها في كتابة أبحاثهم بدرجات متفاوتة. وتشير تقارير حديثة إلى أن ما يقارب 30 % إلى 50 % من الباحثين والطلبة استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل ما في إعداد أعمالهم الأكاديمية خلال السنوات القليلة الماضية.
تسهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي المختلفة في تسريع عملية الكتابة، حيث تشير الدراسات إلى أنها تسهم في اختصار الوقت الذي تتطلبه كتابة البحث بنسبة قد تصل إلى 50 %. كما تساعد في تحسين جودة اللغة والأسلوب، خاصة لدى الباحثين الذين يكتبون بلغة غير لغتهم الأم حيث يمكن أن تقلل الأخطاء اللغوية بنسبة كبيرة وتساعد في إنتاج نصوص أكثر احترافية، كما تُستخدم هذه الأدوات في تلخيص الدراسات السابقة وتحليل كميات ضخمة من البيانات، وهو ما كان يتطلب سابقًا وقتًا وجهدًا كبيرين.
ومع ذلك، لا يخلو هذا التوجه من تحديات ومخاطر، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن نحو 20 % من النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي قد تحتوي على معلومات غير دقيقة أو مراجع غير حقيقية، وهو ما قد يهدد مصداقية البحث العلمي. كما أن الاعتماد المفرط على هذه الأدوات قد يؤدي إلى تراجع مهارات التفكير النقدي لدى الباحثين، خاصة في مراحل التكوين الأكاديمي.
وتبرز هنا قضية النزاهة الأكاديمية، لذلك نجد أن معظم المؤسسات التعليمية قد بدأت بالفعل في وضع سياسات أو إرشادات تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في الأبحاث، فبعض هذه المؤسسات تسمح باستخدامه كأداة مساعدة في التحرير اللغوي أو توليد الأفكار، لكنها تحظر الاعتماد عليه في إنتاج المحتوى النهائي دون توثيق أو إشارة واضحة.
يرى بعض الخبراء أن الذكاء الاصطناعي قد يساهم في تقليل الفجوة البحثية بين الدول، إذ يتيح للباحثين في البيئات محدودة الموارد الوصول إلى أدوات متقدمة تساعدهم على تحسين جودة أبحاثهم، لكن في المقابل، قد يؤدي سوء الاستخدام إلى انتشار أبحاث سطحية أو مكررة، مما يضعف القيمة العلمية للإنتاج الأكاديمي.
يمثل استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي سلاحًا ذا حدين فبينما يوفر إمكانيات هائلة لتسريع وتطوير العمل الأكاديمي، فإنه يفرض تحديات أخلاقية ومنهجية تتطلب وعيًا وتنظيمًا وحوكمة، ليكون داعمًا لجهد الباحث لا بديلاً عنه، وأن يُستخدم في إطار يحافظ على أصالة البحث العلمي ودقته، كما أنه مع استمرار تطور هذه الأدوات، يتحتم على الجهات المعنية تطوير سياسات أكاديمية واضحة تعزز الاستفادة منها دون الإخلال بالقيم الأساسية للعلم.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية