الدرعاوي يكتب: مبادرات "المركزي".. احترازية وتحفيزية
سلامة الدرعاوي
إطلاق البنك المركزي حزمة من الإجراءات الاحترازية الاستباقية بهدف تعزيز منعة الاقتصاد الوطني، وبحجم إجمالي وصل إلى 760 مليون دينار، يعكس جوهر الدور الحقيقي الذي تؤديه هذه المؤسسة، كعقل اقتصادي يقود التوازن ويحمي المسار.
المسألة هنا لا تتعلق بضخ سيولة أو دعم قطاعات بحد ذاتها، لكن بمنهجية متكاملة قائمة على فهم عميق لطبيعة الاقتصاد الأردني، وقدرته على التكيف مع المتغيرات، واستباق المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات.
البنك المركزي لا ينتظر أن تُفرض عليه الحلول، ولا يتحرك تحت ضغط المطالب، إنما يتصرف كمؤسسة تمتلك استقلالية القرار ومؤسسية راسخة، تتخذ إجراءاتها استناداً إلى قراءة دقيقة للمعطيات الاقتصادية، داخلياً وخارجياً، وهذه القدرة على الاستجابة التلقائية، المبنية على التحليل وليس رد الفعل، هي ما يميز سياسته النقدية ويمنحها المصداقية والاستمرارية.
وهنا تحديداً تتجلى مدرسة التحوط التي يتبناها البنك، كنهج دائم لا يرتبط بظرف طارئ، ولكن كسياسة ثابتة تحمي الاقتصاد وتعزز مناعته.
وتفصيلاً، جاءت الحزمة عبر أربعة محاور رئيسة بشكل متوازن ومدروس:
أولاً، تعزيز السيولة المصرفية من خلال خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي بواقع نقطتين مئويتين لتصل إلى 5 % للبنوك التجارية
و4 % للبنوك الإسلامية، ما أتاح تحرير سيولة تقارب 300 مليون دينار، إضافة إلى خفض رصيد شهادات الإيداع من 550 مليون دينار إلى 150 مليون دينار، ما أعاد ضخ نحو 400 مليون دينار إضافية في السوق النقدي.
ثانياً، دعم قطاع السياحة عبر تمويلات ميسرة موجهة لتغطية النفقات التشغيلية ورواتب العاملين حتى نهاية عام 2026، مع تحمّل الحكومة كلف الفوائد، بما يضمن استمرارية المنشآت وحماية فرص العمل.
ثالثاً، تعزيز الأمن الغذائي من خلال تخصيص 60 مليون دينار لتمويل استيراد السلع الأساسية، مع تغطية ضمانات التمويل بنسبة تصل إلى 85 % بالتعاون مع الشركة الأردنية لضمان القروض.
ورابعاً، الاستمرار في برنامج تمويل القطاعات الاقتصادية الذي ضخ منذ عام 2011 نحو 2.7 مليار دينار، استفاد منها 3,868 مشروعاً وأسهم في توفير حوالي 21 ألف فرصة عمل.
هذه التفاصيل، رغم أهميتها، تبقى جزءاً من صورة أكبر، عنوانها أن البنك المركزي يتحرك وفق رؤية شاملة لما يصلح للاقتصاد وما قد يضره، وأن قراراته ليست معزولة بل تراكمية، تبنى على خبرة طويلة في إدارة الأزمات، وهذه ليست المرة الأولى التي يتقدم فيها البنك المركزي الصفوف، فقد أثبت في محطات سابقة وخاصة كورونا أن حضوره في الأزمات جزء من وظيفته الأساسية.
وفي كل مرة تتصاعد فيها التحديات، يتأكد أن البنك المركزي هو صمام الأمان للاقتصاد الوطني، والجهة الأكثر جاهزية للتحرك السريع والفعال، فهو لا يكتفي بإدارة السيولة أو ضبط المؤشرات، إنما يساهم بشكل مباشر في استدامة النشاط الاقتصادي، وحماية القطاعات، والحفاظ على التوازن بين النمو والاستقرار.
ما يجري اليوم هو امتداد لهذا الدور، حيث تتكامل الأدوات النقدية مع الرؤية الإستراتيجية، ليبقى الاقتصاد في حالة توازن رغم الضغوط، عبر سياسات مدروسة، وتحوط محسوب، واستجابة تستند إلى فهم عميق لا إلى تقديرات آنية.







