أبو دلو يكتب: المضائق البحرية الدولية وقانون البحار

{title}
أخبار الأردن -

 

معاذ وليد أبو دلو

يشكل تنظيم الملاحة في المضائق البحرية الدولية أحد أبرز إنجازات الأمم المتحدة في إطار تطوير قواعد القانون الدولي، ولا سيما من خلال اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982، Law Of The Sea UNCLOS التي أرست نظاماً قانونياً متوازناً يجمع بين سيادة الدول الساحلية ومتطلبات المجتمع الدولي في ضمان حرية الملاحة. 
 

وقد جاءت هذه الاتفاقية استجابة لحاجة ملحة لتنظيم استخدام البحار والمحيطات، وتحديد نطاقات الاختصاص البحري، بما يشمل المياه الإقليمية التي تمتد حتى 12 ميلاً بحرياً، والمنطقة الاقتصادية الخالصة التي تصل إلى 200 ميل بحري، حيث تتمتع الدولة بحقوق سيادية لاستكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها.
وفي هذا السياق، اكتسبت المضائق البحرية الدولية أهمية إستراتيجية وقانونية استثنائية، باعتبارها شرايين حيوية للتجارة العالمية وحركة الطاقة. 
ومن أبرز هذه المضائق مضيق هرمز، الذي يربط الخليج العربي ببحر عمان والمحيط الهندي، ومضيق باب المندب، الذي يصل البحر الأحمر بالمحيط الهندي عبر خليج عدن. وقد كرس قانون البحار  نظام «المرور العابر» في هذه المضائق، وهو نظام قانوني متقدم يتيح للسفن والطائرات المرور المستمر والسريع دون إعاقة، بما يتجاوز مفهوم «المرور البريء» التقليدي المطبق في المياه الإقليمية.
وبموجب المادة (44) من الاتفاقية، تلتزم الدول المشاطئة للمضائق بعدم عرقلة هذا المرور، وعدم تعليق أو تقييد حرية الملاحة، حتى في حالات التوتر السياسي أو النزاعات الإقليمية. 
ويعد هذا الالتزام تعبيراً واضحاً عن أولوية المصلحة الدولية في الحفاظ على انسيابية النقل البحري، خاصة في ظل اعتماد الاقتصاد العالمي على سلاسل الإمداد العابرة لهذه النقاط الإستراتيجية. 
كما أن المادة (87) من القانون تؤكد مبدأ حرية الملاحة في أعالي البحار، باعتباره من المبادئ الراسخة في القانون الدولي العرفي، بما يعزز من الطابع العالمي لهذا الحق.
غير أن الواقع السياسي الراهن في الشرق الأوسط يطرح تحديات جدية أمام فعالية هذه القواعد القانونية. فالتوترات الإقليمية، والتهديدات بإغلاق بعض المضائق، أو استهداف السفن التجارية، تمثل خرقاً محتملاً للالتزامات الدولية، وتضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على إنفاذ القانون.
وهنا يبرز دور مجلس الأمن الدولي، الذي يملك، بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، صلاحيات واسعة لاتخاذ تدابير ملزمة تبدأ من الإجراءات غير العسكرية كالعقوبات الاقتصادية، وقد تصل إلى استخدام القوة المسلحة وفق المادة (42)، إذا ما اعتبر تهديد حرية الملاحة تهديداً للسلم والأمن الدوليين والاقتصاد العالمي.
إن الإشكالية الجوهرية لا تكمن في نقص القواعد القانونية، بل في فجوة التنفيذ والإرادة السياسية. 
فالدول، رغم التزاماتها التعاقدية، قد تلجأ إلى توظيف الجغرافيا البحرية كورقة ضغط سياسية أو عسكرية، في انتهاك صريح لروح القانون الدولي. وعليه، فإن الحفاظ على أمن المضائق البحرية لا يتطلب فقط الالتزام بالنصوص، بل يستوجب أيضاً تعزيز آليات التعاون الدولي، وتفعيل أدوات الردع الجماعي، بما يضمن عدم تحويل هذه الممرات الحيوية إلى بؤر صراع.
وفي المحصلة، يمكن القول إن حماية المضائق البحرية تمثل اختباراً حقيقياً لفعالية النظام القانوني الدولي، ومدى قدرته على تحقيق التوازن بين السيادة الوطنية والمصلحة العالمية. 
فإما أن يظل القانون الدولي إطاراً حاكماً للسلوك الدولي، أو أن تتغلب اعتبارات القوة على قواعد الشرعية، وللأسف هذا ما حصل خلال العقدين الأخيرين، بما ينذر بإعادة تشكيل النظام الدولي على أسس أكثر هشاشة واضطراباً.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية