ملكاوي يكتب: "وداعا لينين": الوهم لأجل احتمال الواقع
موفق ملكاوي
أعدت مؤخرا مشاهدة فيلم “وداعا لينين”، العمل الألماني الذي أخرجه وولفغانغ بيكر، في العام 2003، والذي ما يزال، بعد أكثر من عقدين على إنتاجه، يحتفظ بقدرته على إثارة العديد من الأسئلة التي تستنطق النفس البشرية، وقد يكون صالحا لقراءة الواقع العربي الممتد منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى اليوم.
الفيلم الذي يدور حول شخصية أليكس كيرنر ووالدته كريستين المتحمسة للنظام الاشتراكي في ألمانيا الشرقية، يفتح نافذة واسعة على محاولة البشر حماية أنفسهم من قسوة التحولات الكبرى. تجري الأحداث في برلين الشرقية قبيل سقوط جدار برلين بقليل، ثم في السنوات التي تلت انهيار ألمانيا الشرقية وتوحيد الألمانيتين، حيث تصاب الأمّ بأزمة قلبية تدخل على إثرها في غيبوبة طويلة، بينما العالم من حولها يتغير جذريا، فالدولة التي كانت تؤمن بها تتفكك، والاقتصاد الاشتراكي ينهار، ومظاهر الرأسمالية تغزو الحياة اليومية للألمان الشرقيين بسرعة صادمة.
عندما تستيقظ الأم أخيرا، يحذر الأطباء من أن أيّ صدمة قد تكون قاتلة، فيقرر ابنها أليكس أن يحميها من الحقيقة، لتتحول تلك الحماية إلى مشروع كامل لإعادة بناء عالم لم يعد موجودا. يعيد أليكس ترتيب الشقة كما كانت في زمن الدولة الاشتراكية، ويبحث عن المنتجات القديمة التي اختفت من الأسواق، ويخفي الإعلانات الغربية التي غزت الشوارع، ويصل به الأمر إلى اختراع نشرات أخبار كاملة تبث عبر التلفاز المنزلي، تحاكي خطاب الدولة القديمة وتعيد إنتاج لغتها وشعاراتها.
محاولة الحماية تتحول تدريجيا إلى عملية معقدة لإعادة اختراع نسخة كاملة من ألمانيا الشرقية داخل شقة صغيرة، لصناعة واقع مواز وذاكرة وطنية مصطنعة تبدو أكثر دفئا من الواقع الجديد. وكلما تعمق هذا الوهم، ازداد دفئه الإنساني، وهي مفارقة عميقة يلمّح إليها الفيلم، وكأنه يقول إن الحقيقة، في بعض اللحظات التاريخية، قد تكون أكثر قسوة من أن تقال مباشرة، وأن البشر يحتاجون أحيانا إلى مسافة وهمية بينها وبينهم كي يتمكنوا من احتمالها.
خلف هذا البناء الدرامي البسيط، يقترح الفيلم قراءة ذكية للحياة في ألمانيا الشرقية، فالنظام الاشتراكي الذي انهار لا يظهر في الفيلم بوصفه مجرد منظومة سياسية فاشلة، بل أيضا إطارا رمزيا كان يمنح الناس معنى يوميا للحياة. لهذا فإن سقوط جدار برلين يعرض باعتباره لحظة تفكك لمعنى اجتماعي كامل، فيما العالم الجديد يدخل بسرعة جارفة من خلال الإعلانات والشركات والسلع الاستهلاكية، واللغة المختلفة للحياة. غير أن هذه السرعة نفسها تبدو في الفيلم باردة وقاسية، ولا تمنح الناس وقتا كافيا للحزن على ما فقدوه، ما يفتح الباب على السؤال حول مكمن المشكلة، أهي في الأنظمة التي تسقط، أم في الفراغ الذي يتركه سقوطها خلفه؟
الرأسمالية في الفيلم تظهر كواقع صاخب ومندفع، يفرض منطقه بسرعة لا تتيح للإنسان فرصة التأمل. فالمجتمع الذي كان يعيش وفق سردية سياسية واضحة، حتى لو كانت ناقصة أو أيديولوجية، يجد نفسه فجأة في عالم بلا قصة كبرى، وتحكمه السوق والسرعة والاستهلاك. لذلك، يبدو مشروع أليكس لصناعة الوهم محاولة يائسة لإبقاء القصة القديمة حية ولو قليلا، لأنها كانت تمنح الناس إحساسا بالاستقرار والمعنى.
السخرية الحزينة الهادئة تمنح الفيلم قوته الحقيقية، فهي أشبه بابتسامة مرارة لشخص يدرك أن العالم الذي عرفه قد انتهى. حين يخترع أليكس نشرات أخبار تعلن “انتصار الاشتراكية الأخلاقي”، بينما الواقع الخارجي يسير في الاتجاه المعاكس، يتسلل شعور بالمرارة بمفارقة تفضح النظام السابق، وكذلك تكشف حاجة الإنسان العميقة إلى تصديق قصة ما عن العالم كي يستطيع الاستمرار.
السخرية في الفيلم لا تستهدف الاشتراكية وحدها، بل تتجاوزها لتصيب الإيمان السياسي المطلق، واليقين الأيديولوجي، والاعتقاد بأن الحقيقة التاريخية يمكن أن تكون دائما واضحة وقابلة للاحتمال. إنها سخرية لا تمنح المشاهد موقعا آمنا، لا على يسار التاريخ ولا على يمينه.
في النهاية، تموت الأم، وقد عاشت داخل وهمها حتى اللحظة الأخيرة، ليتحول الوهم من مجرد كذبة إلى شيء أقرب إلى الرحمة، وليقرر الفيلم أن البشر لا يعيشون داخل الواقع فقط، بل وفي داخل القصص التي يروونها لأنفسهم عن ذلك الواقع، وبتشكيلهم أوهاما صغيرة ومريحة، تربكهم حين يخرجون منها فجأة قبل أن يكونوا مستعدين لذلك.







