الكشكي يكتب: حرب تصفية الأصول الإستراتيجية

{title}
أخبار الأردن -

 

جمال الكشكي


يشهد النظام الدولي في اللحظة الراهنة حالة تآكل متسارعة، وتتراجع فاعلية القواعد المؤسسة التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، لصالح منطق القوة المباشرة، وإدارة المصالح عبر أدوات صلبة، تتجاوز في كثير من الأحيان الإطار القانوني التقليدي.
 

وفي قلب هذا التحول تتقدم المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، بوصفها اختبارا شديد الحساسية لحدود الردع، ولمدى قدرة النظام الدولي على ضبط التوسع في استخدام القوة خارج التفويض الشرعي.
يمكن قراءة هذه المرحلة باعتبارها انتقالا، من نظام قائم على الشرعية النسبية والمؤسسات، إلى حالة سيولة إستراتيجية تتداخل فيها الجغرافيا السياسية بالطاقة، وتتحول فيها الممرات البحرية والمضائق الحيوية إلى نقاط اشتباك مفتوحة.
وفي هذا السياق يتراجع الدور العملي لمنظمة الأمم المتحدة، بوصفها مرجعية حاكمة للنزاعات، لصالح منطق القوة الذي تقوده الدول الكبرى الساعية إلى إعادة تشكيل النفوذ، وتصفية ما تبقى من أصول النظام الدولي القائم.
وتبرز في الخطاب السياسي الأميركي مقاربة، تربط الأمن القومي بحماية سلاسل الإمداد العالمية، والسيطرة على الملاحة في الممرات الإستراتيجية، مع تأكيد متكرر على أن استخدام القوة يظل خيارا مشروعا عند تهديد المصالح الحيوية.
هذا التوجه يعكس تحولا في مفهوم التدخل، من كونه استثناء محكوما بتفويض دولي، إلى كونه أداة مباشرة للتوازنات الدولية من وجهة النظر الأميركية الحالية.
في المقابل، تقدم دول عدة في النظام الدولي قراءة مغايرة تماما، إذ ترى أن هذا النمط، من التحركات العسكرية والاقتصادية، يمثل امتدادا لسياسات احتواء طويلة الأمد، ويستهدف تقليص أدوارها الإقليمية، وإعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط بالقوة.
وتؤكد هذه الدول، بما فيها دول أوروبية، كانت حليفة للولايات المتحدة في مراحل سابقة، أن الضغوط والعقوبات والتواجد العسكري المكثف في الإقليم العربي، والشرق الأوسط، يندرج ضمن سياسة هيمنة، وليس ضمن منطق الأمن الجماعي الذي يفترض أن يحكم العلاقات الدولية.
في هذا السياق المعقد، تبدو أوروبا في موقع شديد الحساسية، حيث يواجه حلف شمال الأطلسي اختبارات متكررة، تتعلق بمدى التماسك الداخلي، وتوزيع الأعباء الإستراتيجية بين ضفتي الأطلسي.
وقد عبّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون  في أكثر من مناسبة، عن الحاجة إلى تعزيز الاستقلال الإستراتيجي الأوروبي، في إشارة إلى القلق من الاعتماد المفرط على القرار الأميركي في إدارة الأزمات الدولية، كما تتقاطع مواقف قادة أوروبيين، مثل المستشار الألماني فريدريش ميرتس، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، حول ضرورة تجنب الانجرار إلى مواجهات مفتوحة، قد تزيد من هشاشة البيئة الأمنية الأوروبية.
أما داخل الولايات المتحدة، فإن الجدل حول جدوى التوسع في المواجهات الخارجية، يعكس انقساما أعمق داخل النخبة السياسية والإستراتيجية، بين تيارات تميل إلى إعادة التموضع والتركيز الداخلي، وأخرى ترى ضرورة الحفاظ على التفوق العسكري عبر التدخل الوقائي في بؤر التوتر.
وتظهر بين الحين والآخر تقارير وتحليلات متخصصة، تشير إلى وجود نقاشات داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية حول حدود التصعيد وإدارة المخاطر، خصوصا فيما يتعلق بتجنب الانزلاق إلى مواجهات واسعة النطاق في بيئات إقليمية معقدة.
ولا يقتصر التحول الجاري على البعد العسكري فحسب، لكنه يمتد إلى بنية النظام الدولي ذاته، حيث تتراجع قدرة المؤسسات متعددة الأطراف، وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة، على فرض التزامات ملزمة أو منع تفجير النزاعات الكبرى.
هذا التراجع لا يعني انهيار المؤسسة، بقدر ما يعكس انتقال مركز الثقل من الشرعية الجماعية إلى منطق التوافقات المؤقتة بين القوى الكبرى.
وتحذر التحليلات الإستراتيجية من أن استمرار هذا المسار قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة، من بينها توسع رقعة النزاعات الإقليمية، أو دخول أطراف متعددة في سباق تسلح متسارع، بما في ذلك امتلاك قدرات نووية أو تطوير وسائل ردع غير تقليدية، غير أن هذه السيناريوهات تبقى مرتبطة بتطورات القرار السياسي، وليست قدرا محتوما.
في العمق، يبدو العالم متجها، إما نحو انهيار مفاجئ أو نحو إعادة تشكيل تدريجية لقواعده، فالنظام الذي تشكل بعد عام 1945 كان يقوم على توازن دقيق بين القوة والقانون، وبين الردع والمؤسسات، إلا أن هذا التوازن يتعرض اليوم لاختلال متزايد، يجعل من القوة العسكرية والاقتصادية العامل الأكثر تأثيرا في صياغة الوقائع الدولية.
وهكذا يمكن القول إننا أمام مرحلة إعادة تعريف شاملة لمفهوم النظام الدولي ذاته، حيث تتقدم الإستراتيجية على القانون، وتتحول المصالح إلى مرجعية أعلى من القواعد، بينما تبقى ملامح النظام القادم غير مكتملة، في انتظار ما ستفرزه الصراعات الجارية من خرائط جديدة للنفوذ والحدود والتوازنات.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية