الدعجة يكتب: الجهود الملكية.. نحو خفض التصعيد وتعزيز الوحدة العربية
حسن الدعجة
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، تبرز التحركات الملكية الأردنية كعامل توازن أساسي يسعى إلى تهدئة التوترات ومنع انزلاق المنطقة نحو مزيد من التصعيد، خاصة في ظل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وما رافقها من استهداف إيراني لعدد من الدول العربية. وقد جاءت الزيارة الملكية الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية في سياق إقليمي دقيق، حيث تتشابك الأزمات وتتقاطع المصالح، ما يجعل الحاجة إلى تنسيق عربي حقيقي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
تعكس هذه الزيارة نهجًا سياسيًا متقدمًا يقوم على المبادرة الفاعلة لا على ردود الأفعال، وعلى استشراف المستقبل بدل الاكتفاء بإدارة تداعيات الحاضر. فالأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، ينظر إلى الأزمات الإقليمية بوصفها شبكة مترابطة من التحديات، لا يمكن التعامل معها عبر حلول جزئية أو مؤقتة، بل من خلال رؤية شمولية تعالج جذورها وتحد من آثارها. ومن هذا المنطلق، جاءت القمة التي جمعت قادة الأردن والسعودية وقطر لتؤكد أن التنسيق العربي لم يعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة إستراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة. فهي لم تكن لقاءً بروتوكوليًا عابرًا، بل محطة مفصلية لإعادة بناء موقف عربي موحد قادر على التعامل مع التحديات المتصاعدة بثقة ووعي. كما تعكس هذه القمة إدراكًا جماعيًا بأن المرحلة تتطلب انتقالًا من التشاور إلى الفعل، ومن ردّ الأزمات إلى صناعتها وإدارتها بوعي إستراتيجي يضمن استقرار المنطقة.
إن جوهر هذه التحركات يتمثل في ترسيخ مفهوم الأمن العربي المشترك، القائم على أن أمن الدول العربية مترابط لا يقبل التجزئة. فالتحديات التي تواجه دولة عربية ما، سرعان ما تمتد آثارها إلى محيطها، سواء كانت هذه التحديات أمنية أو اقتصادية أو سياسية. لذلك، فإن بناء موقف عربي موحد لم يعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة إستراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة. ويأتي ذلك في ظل بيئة إقليمية مضطربة تتسم بتعدد مصادر التهديد وتداخلها، ما يجعل التنسيق والتكامل بين الدول العربية أساسًا لمواجهة هذه التحديات بفاعلية. كما أن تعزيز هذا المفهوم يسهم في بناء منظومة ردع جماعية، ويعزز القدرة على حماية المصالح العربية وصون الاستقرار الإقليمي على المدى البعيد.
وفي هذا السياق، يبرز الدور الأردني كصوت عقلاني يدعو إلى التهدئة والحلول السياسية، ويرفض الانجرار نحو صراعات مفتوحة قد تكون نتائجها كارثية على الجميع. فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي ودوره التاريخي، يدرك أن الاستقرار الإقليمي هو شرط أساسي لأمنه الوطني، كما هو شرط لاستقرار المنطقة ككل. ومن هنا، تأتي الجهود الملكية الهادفة إلى تقريب وجهات النظر، وتعزيز قنوات الحوار، والعمل مع الشركاء العرب والدوليين لتخفيف حدة التوترات. كما يحرص الأردن على تبني خطاب متوازن يجمع بين الحزم الدبلوماسي والانفتاح السياسي، بما يعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية مستدامة. ويعكس هذا الدور قدرة الدولة الأردنية على التحرك بمرونة وحكمة، بما يحفظ مصالحها الوطنية ويخدم في الوقت ذاته استقرار الإقليم.
ولا تقتصر هذه الجهود على البعد السياسي فقط، بل تمتد لتشمل الجوانب الاقتصادية والإنسانية، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها الأزمات على شعوب المنطقة. فالتنسيق العربي في هذا المجال يشكل عنصرًا مهمًا في مواجهة تداعيات الأزمات، سواء من حيث حماية الاقتصاديات الوطنية أو ضمان استمرارية سلاسل الإمداد وتدفق الموارد الحيوية.
كما أن التحركات الملكية تعكس إدراكًا عميقًا لخطورة المرحلة، خاصة في ظل محاولات بعض الأطراف استغلال حالة التوتر لفرض وقائع جديدة على الأرض. ومن هنا، يأتي التأكيد المستمر على ضرورة احترام سيادة الدول، ورفض أي إجراءات أحادية من شأنها تقويض الاستقرار أو المساس بحقوق الشعوب، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني.
إن البعد الأهم في هذه الجهود يتمثل في إعادة إحياء العمل العربي المشترك بروح جديدة، تقوم على الفعل لا القول، وعلى المبادرة لا الانتظار. فالتحديات الحالية تتطلب انتقالًا من مرحلة التشخيص إلى مرحلة التنفيذ، ومن التنسيق النظري إلى بناء آليات عملية قادرة على تحقيق نتائج ملموسة. وهذا ما تسعى إليه التحركات الملكية من خلال تعزيز التشاور المستمر، وتوحيد المواقف، وبناء شراكات إستراتيجية قائمة على المصالح المشتركة. كما يبرز التركيز على تحويل التفاهمات السياسية إلى برامج تعاون حقيقية في مجالات الأمن والاقتصاد والتنمية، بما يعزز التكامل العربي ويمنح هذا العمل بعدًا عمليًا مستدامًا قادرًا على مواجهة الأزمات.
ومن اللافت أن هذه الرؤية تحظى بدعم واسع، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، ما يعكس الثقة بالدور الذي يقوم به الأردن في هذه المرحلة. فالمؤسسات الوطنية تدرك أن هذا الحراك ليس مجرد نشاط دبلوماسي، بل هو جزء من إستراتيجية شاملة تهدف إلى حماية الأمن الوطني وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
وفي المحصلة، يمكن القول إن الزيارة الملكية إلى السعودية تمثل نموذجًا لسياسة عربية واعية تسعى إلى احتواء الأزمات بدل تعميقها، وإلى بناء جسور التفاهم بدل توسيع فجوات الخلاف. فالأردن، بقيادته الهاشمية، يقدم نموذجًا في الحكمة السياسية والقدرة على إدارة التوازنات، بما يعزز فرص الاستقرار في منطقة تعيش على وقع التوترات المستمرة.
إن المرحلة الراهنة تفرض على الدول العربية أن تتبنى نهجًا أكثر تماسكًا وواقعية، قائمًا على التعاون والتكامل، لا التنافس والانقسام. وفي هذا الإطار، تشكل الجهود الملكية خريطة طريق يمكن البناء عليها لإرساء مرحلة جديدة من العمل العربي المشترك، عنوانها الوحدة، وهدفها حماية الأمن والاستقرار، وضمان مستقبل أكثر أمانًا لشعوب المنطقة.







