الرواشدة يكتب: مشروع ترام واي في الأردن: ربط الشمال بالجنوب وأثره الاقتصادي والإجتماعي الكبير

{title}
أخبار الأردن -

انس الرواشدة 

يمثل النقل العمود الفقري لأي اقتصاد نامٍ، وفي الأردن، البلد الذي يتميز بتركيبة جغرافية فريدة تمتد من الشمال الخصب إلى الجنوب الصحراوي، تبرز الحاجة الماسة لتطوير شبكة نقل متكاملة وفعالة قادرة على تلبية متطلبات التنمية المستدامة. لطالما كانت فكرة إنشاء مشروع استراتيجي ضخم للنقل الجماعي، مثل نظام المترو ترام، الذي يربط المحافظات الشمالية والوسطى بالجنوب، حلمًا يراود المخططين الاقتصاديين والاجتماعيين. هذا المشروع ليس مجرد خطوط سكك حديدية أو مسارات حافلات، بل هو شريان حياة اقتصادي واجتماعي يمكن أن يعيد تشكيل المشهد التنموي في المملكة. إن دراسة جدوى هذا المشروع، وتحديد تكلفته التقديرية، وتحليل أهميته، واستشراف أثره الاقتصادي الكبير، تكشف عن ضرورة تبنيه كأولوية وطنية قصوى.
تكمن الأهمية القصوى لمشروع المترو ترام واي في معالجة التحديات اللوجستية والديموغرافية التي تواجه الأردن. يعاني الأردن، شأنه شأن العديد من الدول، من تزايد الازدحام المروري في المدن الكبرى، خاصة عمّان وإربد والعقبة، مما يؤدي إلى هدر كبير في الوقت والطاقة وزيادة في الانبعاثات الكربونية. يوفر المترو ترام واي حلاً جذريًا لهذه المشكلات من خلال توفير وسيلة نقل جماعي سريعة، آمنة، وموثوقة، تعمل على تقليل الاعتماد على المركبات الخاصة. علاوة على ذلك، يمثل هذا المشروع جسرًا حيويًا لربط المناطق النائية والمحافظات التي تعاني من التهميش الاقتصادي، مثل معان والطفيلة، بالمركزين التجاريين والصناعيين الرئيسيين في الشمال. هذا الربط الجغرافي واللوجستي يضمن وصول القوى العاملة والمنتجات الزراعية والصناعية إلى الأسواق بكفاءة أعلى.
من الناحية الدراسية، يتطلب مشروع بهذا الحجم إجراء دراسات شاملة ومعمقة تتجاوز التقييم التقني البسيط. يجب أن تشمل الدراسة دراسة تفصيلية للمسارات المقترحة التي من المرجح أن تمر عبر المدن الرئيسية كعمّان، الزرقاء، إربد، والسلط، وتمتد جنوبًا لتخدم الموانئ والمناطق الصناعية في العقبة. يجب أن تحدد هذه الدراسة الجدوى الهندسية، بما في ذلك طبيعة الأرض، وتحديات التضاريس، ومتطلبات البنية التحتية اللازمة لمرور الترام، خاصة في المناطق الحضرية المكتظة التي قد تتطلب حلولاً للنقل تحت الأرض أو فوق الأرض. كما يجب أن تركز الدراسة على الجدوى التشغيلية، بما في ذلك تحديد عدد المحطات، وتصميم الجداول الزمنية للرحلات، وتحديد متطلبات الطاقة الكهربائية اللازمة لتشغيل شبكة واسعة كهذه. إن نجاح المشروع يعتمد على استخلاص الدروس من تجارب دول أخرى، مثل أنظمة الترام واي الحديثة في أوروبا أو شبكات السكك الحديدية الخفيفة في بعض الدول العربية، لضمان التكيف مع السياق الأردني.
أما فيما يتعلق بالتكلفة، فإن تقدير التكلفة لمشروع بهذا النطاق هو أمر معقد ويتأثر بمسار الخطوط، وتكنولوجيا الترام المستخدمة، والظروف الجيوسياسية والاقتصادية وقت التنفيذ. تقديرات المشاريع المماثلة عالميًا تشير إلى أن تكلفة الكيلومتر الواحد من أنظمة النقل السريع  ترامواي متطور، تتراوح بين عشرات ومئات الملايين من الدولارات.

بالنسبة لشبكة تربط الشمال بالجنوب في الأردن، والتي قد تتجاوز مئات الكيلومترات، يمكن أن تتراوح التكلفة الإجمالية المبدئية للمشروع، بما يشمل البنية التحتية، وشراء العربات، وتطوير المحطات، بين 5 إلى 10 مليارات دولار أمريكي، أو ربما أكثر حسب النطاق النهائي والتكنولوجيا المختارة. تمويل مثل هذا المشروع يتطلب شراكة استراتيجية بين الحكومة الأردنية ومؤسسات التمويل الدولية، مثل البنك الدولي، بنك التنمية الآسيوي، والقطاع الخاص عبر عقود الامتياز أو الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
الأثر الاقتصادي لهذا المشروع هو الجانب الأكثر إقناعًا لتبرير الاستثمار الضخم فيه. أولاً، سيخلق المشروع آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة خلال مراحل الإنشاء والتشغيل والصيانة. ثانياً، سيعمل المترو ترام على خفض تكاليف النقل للشركات والأفراد بشكل كبير، مما يزيد من القدرة التنافسية للمنتجات الأردنية. إن نقل البضائع بين الموانئ في الجنوب والمناطق الصناعية في الشمال بتكلفة منخفضة وموثوقية عالية سيشجع الاستثمار ويدعم قطاعي التصدير والخدمات اللوجستية. ثالثًا، سيشجع المشروع على التنمية العمرانية الموجهة حول المحطات، مما يؤدي إلى إنشاء تجمعات سكنية وتجارية جديدة، ويقلل الضغط على وسط المدن القديمة. هذا التوسع العمراني المخطط له يعزز من قيمة الأراضي ويفتح آفاقًا للاستثمار العقاري.
بالإضافة إلى الأثر الاقتصادي المباشر، هناك فوائد بيئية واجتماعية لا يمكن إغفالها. تقليل عدد السيارات على الطرق يترجم مباشرة إلى انخفاض في استهلاك الوقود الأحفوري وتحسين جودة الهواء في المدن المكتظة. اجتماعيًا، يتيح المترو ترام للطلاب والباحثين الوصول بسهولة إلى الجامعات ومراكز التدريب في مختلف أنحاء المملكة، مما يعزز من التبادل المعرفي ويقلل من الهجرة الداخلية نحو العاصمة بحثًا عن الفرص التعليمية والوظيفية. هذا التوزيع العادل للفرص هو حجر الزاوية في تحقيق تنمية وطنية متوازنة.
في الختام، يمثل مشروع إقامة مترو ترام يربط شمال الأردن بجنوبه استثمارًا ضخمًا ولكنه استراتيجي في مستقبل المملكة. التكلفة التقديرية العالية يجب أن تُقابل بتحليل دقيق للتكاليف المتجنبة الناتجة عن الازدحام والتلوث، والأهم من ذلك، العوائد الاقتصادية الهائلة التي سيولدها هذا المشروع عبر تعزيز التجارة الداخلية، وجذب الاستثمار، وخلق فرص العمل، وتحقيق التنمية الإقليمية المتوازنة. إن إنجاز هذا المشروع يتطلب رؤية طويلة الأمد، وتخطيطًا دقيقًا، وإرادة سياسية قوية لتجاوز التحديات اللوجستية والتمويلية، ليكون هذا المترو ترام رمزًا للنهضة الحقيقية في المملكة الأردنية الهاشمية.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية