نبيل عمرو يكتب: النصر المشترك
نبيل عمرو
مصطلحٌ جديدٌ أتت به حروب الشرق الأوسط، التي كانت إسرائيل هي الطرف الدائم فيها، وهو الذي يستطيع كل طرفٍ تأليف روايته كي يسوّقها لجمهوره، تجنباً للمساءلة عن الخسائر الفادحة التي مُني بها، كما هي ضمانةٌ أكيدةٌ لمواصلة الحكم والقيادة، بحجة معالجة آثار الحرب والإعداد لقيادة القادمة.
لنغادر العموميات إلى الحرب الراهنة بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران وحزب الله من جهةٍ أخرى، وما بين الطرفين يقف العالم كله كحكمٍ في مباراة ملاكمة.
في الحرب العالمية الثانية كانت النتيجة واضحةً وحاسمة، منتصرٌ مكتمل شروط النصر، ومهزومٌ مكتمل شروط الهزيمة، جلس المنتصر مع شركاءه على مائدة تقاسم ثمار النصر، وتوارى المهزوم منتحراً لا يلوي على شيء، وهكذا ولد عالمٌ جديد، يُدار بمعادلاتٍ جديدة، وصراعاتٍ متجددة.
بعد الحرب العالمية الثانية دخل العالم إلى حربٍ باردة، من خلال صراع النفوذ الكوني بين المعسكرين الشرقي والغربي، مع وقوع حروبٍ كبيرةٍ وصغيرة، تجنّبت الانجرار إلى حربٍ كونيةٍ ثالثة، رغم الوقوف على حافتها، حدث ذلك في حرب فيتنام وأفغانستان والشرق الأوسط وأزمة الصواريخ السوفياتية في كوبا.
الحروب التي أدّت إلى خلاصاتٍ حاسمةٍ توقفت فعلاً، أمّا الحروب التي اعتمدت أطرافها النصر المشترك، فما تزال وستبقى في حالة صراعٍ بشتّى أشكاله، ولنأخذ أمثلة...
حرب حزيران في العام 1967 اندلعت بعد تسعة عشر سنة من حرب 1948، أفضت إلى نصرٍ مشتركٍ تحدث عنه أطرافها الذين تورّطوا فيها، إسرائيل تحدثت عن نصرٍ كاسحٍ حققته باحتلالها عشرات أضعاف مساحتها من أراضٍ عربية، بما فيها القدس التي أعادت تسميتها بأورشليم، وأعلنتها عاصمةً موحدةً وأبديةً لها، والعرب الذين خسروا أرضاً كثيرةً وضحايا أكثر، تحدّثوا عن نصرٍ حتميٍ مؤجلٍ وبرواياتٍ متعددة، مصر أعلنت على لسان رئيسها جمال عبد الناصر أن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة، وكان ذلك بمثابة إعلانٍ لانتصار الإرادة دون الإقرار بالهزيمة، أمّا سوريا فقد سادت فيها روايةٌ رسميةٌ حول فشل العدوان في تحقيق أهم أهدافه، وهو إسقاط النظام الثوري هناك، وهو النظام الذي حكم البلاد ما يربو على نصف قرنٍ وروايته في الحكم والنصر استعادة ما ضاع.
النصر المشترك يعيد استنساخ نفسه في الحرب على غزة، التي أسماها بنيامين نتنياهو بحرب القيامة، التي ستنهض إسرائيل منها كما يقول أقوى مما كانت، ورغم عدم تحقيق نصر نتنياهو المطلق كما وعد، إلا أنه اعتبر نفسه منتصراً بفعل التدمير الشامل لغزة، والتدمير الواسع في لبنان، ونجاح طيرانه في دكّ اهدافٍ بعيدةٍ في إيران والعراق واليمن، دون إغفال ادّعائه بأنه أسقط النظام في سوريا، وهو في طريقه إلى إسقاط النظام في إيران.
وليس هنا تنتهي حكاية النصر المشترك، ففي إيران جرى تسويقٌ مبكرٌ له، وهذه المرة على طريقة التسويق السوري لفكرة أن عدم إسقاط النظام هو النصر، إضافةً إلى شرطٍ أو شروطٍ أخرى خلاصتها، مهما بلغت التضحيات فإن النصر هو أن قادة البلاد ما زالوا بصحةٍ جيدة!
على الصعيد الأمريكي فما دام ترمب رئيساً فالنصر هو الذي يُعلنه حتى دون أن يحققه، ومنذ دخل ترمب المعترك السياسي، رئيساً لأول مرة ثم رئيساً للمرة الثانية، بعد هزيمته بينهما، فالرجل لا يتوقف عن سرد انتصاراته الداخلية والخارجية، حتى أن العالم قبل فوزه بالولاية الثانية كان على حافة فناءٍ حتمي، إلى أن أرسلته الأقدار لإنقاذه، وقد فعل!
قد ينسحب السيناريو الغزّي في جانبٍ منه على تسويق خلاصات الحرب الراهنة، حيث الانتصار المشترك فيها، حماس صاحبة طوفان الأقصى والبقاء في بعض غزة، وإسرائيل صاحبة السيوف الحديدة والتدمير الشامل لغزة، والتموضع وراء الخط الأصفر، وترمب الذي يعتبر رئاسته لمجلس السلام نهاية الحروب في الشرق الأوسط والعالم.
كل هؤلاء شركاء في تأليف حكاية النصر المشترك، ولا مبالغة في القول إن كل من شارك في الحرب على غزة وامتداداتها سجّل لنفسه أسهماً في هذا النصر!
أمّا حرب إيران فمع الإعداد للحرب، جرى الإعداد لروايات النصر، حيث لا مهزوم فيها إلا العالم الذي يئن وينزف تحت عصفها والخوف من تطوراتها.
إنه الشرق الأوسط المتفرّد بإنتاج العجائب والمفارقات والبدايات التي لا نهاياتٍ لها.






