كراجة يكتب: لنعيد تشكيل الشرق الأوسط
سائد كراجة
منذ عملية الطوفان، ماذا تغيّر؟
عادت القضية الفلسطينية – وبثمنٍ لا شك باهظ – إلى وعي العالم السياسي والمعرفي والأخلاقي. وهذه العودة كشفت، أهم ما كشفت، التناقض بين خطاب الغرب عن الحقوق والحرية، وسلوكه الفعلي حين يتعلق الأمر بإسرائيل، حتى وهي ترتكب إبادة جماعية.
وفي أميركا، لم يعد الدعم لإسرائيل إجماعًا صامتًا، بل أصبح موضع نقاش داخلي حول كلفته وسببه في ظل شعار «أميركا أولًا». دون أن يعني ذلك تراجعًا آنيًا عنه، لكن في الأفق نخبة أميركية وجيل جديد قد يغيّر المشهد. كما تبيّن لأوروبا أن أميركا – وليس فقط ترامب – ترى فيها تابعًا في ملفات أساسية.
إسرائيل اليوم، وفي نشوة الهيمنة والتفوق، عطّلت القانون الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة. لم تخرقه فحسب، بل حوّلته إلى أداة انتقائية: يُستدعى حين يخدمها، ويُعطّل حين يقيّدها. وهذا سلوك متكرر، وليس حادثة عابرة.
نتنياهو، في جهده للإطاحة بهيبة الأمم المتحدة، إنما ينقض شرعية إسرائيل القانونية، حيث تأسست بقرار دولي. ناهيك عن تراجع شرعيتها الأخلاقية التي قامت على سردية الضحية، ويُضعف، في الوقت ذاته، الأساس السياسي الذي يضمن لها الاعتراف الدولي والاستمرارية ضمن النظام العالمي.
كما لم يعد خطاب «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط» قادرًا على تغطية واقع التمييز البنيوي، والاستيطان، وإدامة الاحتلال، والحرب على مجتمع محاصر؛ ما قدّم لإسرائيل، في الوعي الغربي، وجهًا أقرب إلى الفصل العنصري.
وفي مواجهة هذا الواقع، وأمام إعلان الكنيست في 2024 رفض إقامة دولة فلسطينية واعتبارها خطرًا وجوديًا، وإعدام إمكان قيامها عمليًا بالاستيطان والضم والتهجير، سقط حل الدولتين فعليًا، وصعد خطاب الدولة الواحدة والحقوق المتساوية كنتيجة مباشرة.
أما أميركا، فقد صدحت بما يمكن تسميته «الطالبانية السياسية»، حيث تُساق بفكر أيديولوجي صلب يتداخل فيه الديني بالسياسي، ويقدّم تفسيرًا منحرفًا عن القيم المعلنة، كما تشير إليه مرجعيات مسيحية عديدة. وقد تُرجم ذلك إلى قاعدة واضحة: لا مصلحة في الشرق قبل مصلحة إسرائيل، ونحن على استعداد للتضحية بمصالح العرب خدمةً لها.
أردنيًا، المشهد معقد؛ فمنذ صفقة القرن، لم تعد الضغوط نظرية، بل أصبحت تمسّ التوازنات الديموغرافية والسياسية. ومع طرح التهجير والترانسفير، أصبح المشهد السياسي الأردني على صفيح ساخن، وعادت العلاقة مع إسرائيل إلى منطق المواجهة بعد سنوات من المعايشة.
عربيًا، ظهر جيل جديد يعيد تفكيك المفردات الليبرالية الأوروبية؛ ليس رفضًا لقيم الحرية والحقوق، بل لكشف تناقضها حين تتحول إلى أداة هيمنة. ويرى أن المشكلة ليست فقط في إسرائيل، بل في المشروع الكولونيالي الأميركي–الإسرائيلي، وأن الخروج يبدأ بالانفكاك عن الأحلاف الخارجية، والعمل على بناء تكامل عربي.
حسنًا، لا جدوى من إلغاء مخرجات اتفاقية سايكس–بيكو؛ فهذه دول قائمة. لكن ضعفها منفردة هو المشكلة، وقد ظهر ذلك في كل أزمة تُترك فيها المنطقة لميزان قوى خارجي. والتجربة الأوروبية لم تبدأ بوحدة سياسية، بل بمشروع اقتصادي محدود كما في خطة شومان، ثم توسعت حتى أصبحت الاتحاد الأوروبي.
في حالتنا، لسنا أمام فراغ نظري، بل أمام واقع مساند: ثروات وطاقات مهولة، تزيّنها البطالة، والأسواق المفككة. ولكن قد تكون تلك الأعباء نفسها ملفات تشكّل نقطة البداية.
البداية عربيًا لا تحتاج مشروعًا شاملًا، بل خطوة محددة: ربط اقتصادي تدريجي، مشاريع مشتركة، وأسواق جزئية تنمو مع الوقت.
وهنا يمكن تصور بداية واقعية تقوم على توزيع أدوار: الأردن كمنصة تنسيق، بحكم موقعه، مع قيادة سعودية تملك القدرة على التمويل والتأثير، ضمن مشروع يبدأ من الاقتصاد ويتوسع سياسيًا لاحقًا.
لقد سقط رهان الدول العربية العميقة على أميركا، أو تزعزع على الأقل. وقد تكون هذه لحظة فارقة. ورغم أن الوقت مبكر على تحديد مخرجات الحرب الحالية، والتي ستكون حتمًا مصيرية، إلا أن هذه اللحظة مواتية أيضًا لبدء تحالف عربي–عربي، اقتصادي ثم سياسي وتدريجيا جنابك!







