عوض يكتب: امتصاص صدمة الطاقة لحماية الناس والاقتصاد
أحمد عوض
يُحسب للحكومة أنها تحركت اقتصاديًا في الوقت المناسب لامتصاص صدمة ارتفاع أسعار الطاقة، وانقطاع الغاز التي كانت تشتريه من دولة الاحتلال، ولم تعكس هذه الزيادة بشكل مباشر وكامل على أسعار المشتقات النفطية في السوق المحلية.
هذا الإجراء يستحق الإشادة، لأنه جاء في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، تتسع فيها الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وتتزايد معها المخاطر على الاقتصادات المجاورة، ومنها الاقتصاد الأردني. وفي مثل هذه الظروف، فإن حماية المواطنين من الصدمات السعرية الحادة تصبح أولوية وطنية، لا مجرد خيار مالي أو إداري.
المهم الآن هو أن تستمر الحكومة في هذا النهج، لأن وقف انتقال الارتفاعات العالمية إلى السوق المحلية يخفف الضغط عن الأسر، ويمنع موجات غلاء أوسع قد تطال النقل والغذاء والخدمات وكلف الإنتاج. صحيح أن هذه السياسة قد تفرض على الخزينة أعباء مالية غير محسوبة، لكنها في المرحلة الحالية تبقى أقل كلفة من ترك الأسعار ترتفع بسرعة، ثم محاولة معالجة آثارها الاجتماعية والاقتصادية لاحقا. فالتعامل المبكر مع الصدمة أكثر جدوى من انتظار تفاقمها.
المسألة هنا لا تتعلق فقط بأسعار الوقود، بل بما يترتب عليها من آثار تمتد إلى حياة الناس مباشرة. عندما ترتفع كلفة الطاقة، ترتفع معها كلف النقل والتشغيل والإنتاج، ثم تنتقل هذه الزيادات إلى أسعار السلع والخدمات. وفي اقتصاد مثل الاقتصاد الأردني، يعاني أصلًا من محدودية الدخول وارتفاع كلف المعيشة، فإن أي موجة تضخمية جديدة ستضغط بقوة على الأسر، خصوصا الطبقة الوسطى وذوي الدخل المحدود. لذلك، فإن قرار امتصاص جزء من صدمة الطاقة يشكل حماية للاستقرار الاجتماعي والسياسي أيضا.
ومن الجانب الاقتصادي، فإن استمرار هذه الإجراءات يساعد في الحفاظ على زخم عمل محركات النمو الاقتصادي. فالاقتصاد لا يستطيع أن ينمو في بيئة ترتفع فيها الكلف بشكل مفاجئ، وتتراجع فيها القدرات الشرائية، ويتردد فيها المستثمر والمنتج والمستهلك معا. حين تمنع الحكومة جزءا من الصدمة، فإنها تحافظ على النشاط الاقتصادي من التباطؤ، وتحمي القطاعات الإنتاجية والخدمية من الدخول في دائرة انكماش أو ضعف إضافي. وهذا مهم جدا في ظل حرب إقليمية مفتوحة، لا أحد يعرف متى تتوقف، ولا إلى أي مدى يمكن أن تتوسع آثارها.
من الواضح أن استمرار هذه الحرب أثر وسيؤثر سلبا على الاقتصاد الأردني في أكثر من اتجاه، سواء على استقرار المالية العامة، أو على كلف الاستيراد والطاقة، أو على النشاط الاقتصادي اليومي، أو على ميزانيات الأسر. ولهذا، فإن الهدف الواقعي الآن ليس منع الخسائر بالكامل، بل تقليلها قدر الإمكان، ومنع تحول الضغوط الخارجية إلى أزمة داخلية أوسع.
لكن هذا الجهد، رغم أهميته، يجب ألا يبقى محصورا في إدارة الصدمة الآنية فقط. فبعد هذه المرحلة، علينا أن نعمل بشكل استراتيجي على تعزيز منظومة الحماية الاجتماعية، بحيث تصبح أكثر قدرة على حماية الفئات الأكثر تأثرا من الأزمات، وأكثر كفاءة في الوصول إلى من يحتاج الدعم فعلا. المطلوب هو بناء شبكة أمان أقوى، وربطا أوضح بين السياسات الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
ما قامت به الحكومة حتى الآن خطوة صحيحة ومطلوبة، والمطلوب أن تستمر بها ما دامت الظروف الاستثنائية قائمة. فحماية المجتمع من التضخم، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، أهم اليوم من الحسابات المالية الكلية.







