الدرعاوي يكتب: رسالة حكومية مهمة للجميع

{title}
أخبار الأردن -

 

سلامة الدرعاوي


في خضم حرب عسكرية مفتوحة في الإقليم، وما تفرضه من ضغوط مباشرة على كلف الطاقة وسلاسل التوريد وحركة الأسواق، تبدو القرارات الحكومية الأخيرة أقرب إلى إعادة ضبط منهجية إدارة الإنفاق العام أكثر من كونها مجرد استجابة ظرفية محدودة الأثر المالي.
 

قرار ترشيد الاستهلاك وضبط الإنفاق، رغم أن مردوده المباشر قد لا يحقق وفورات كبيرة، يحمل دلالة أعمق تتعلق ببناء مسار تدريجي منضبط يبدأ من داخل الجهاز الحكومي نفسه، وهو ما يعزز مصداقية أي إجراءات لاحقة قد تمتد إلى قطاعات أخرى.
اللافت في هذه الحزمة أنها لم تذهب إلى قرارات صادمة أو انكماشية، إنما اعتمدت التدرج كأداة إدارة رئيسية، وهو خيار محسوب في ظل بيئة إقليمية غير مستقرة وغير قابلة للتنبؤ زمنياً، وهذا التدرج يعكس فهماً دقيقاً لطبيعة الاقتصاد الأردني، الذي لا يحتمل إرباكاً مفاجئاً في الطلب أو النشاط الاقتصادي، خصوصاً بعد تجربة الجائحة التي أظهرت كلفة الإغلاق الشامل على النمو والتشغيل.
تقييد استخدام المركبات الحكومية وإلغاء الاستثناءات، وإيقاف السفر الرسمي، وضبط استهلاك الطاقة في المؤسسات، رسائل سياسية واقتصادية بأن الحكومة بدأت بنفسها في تقليص الهدر قبل أن تطلب ذلك من الآخرين، وهذه النقطة تحديداً تمثل جوهر التحول، لأن أي سياسات تقشف أو ضبط إنفاق تفقد فعاليتها إذا لم تنطلق من القطاع العام أولاً.
في المقابل، لا تنفصل هذه الإجراءات عن رؤية أوسع لإدارة الأزمة، تقوم على الحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي وعدم الانزلاق إلى خيارات تقليدية قائمة على الإغلاق أو التقييد الشديد للحركة الاقتصادية، فالتأكيد على انسيابية سلاسل التوريد، وفتح المعابر، واستخدام موانئ بديلة، ومنع فرض رسوم إضافية على كلف الشحن، كلها تعكس توجهاً واضحاً نحو امتصاص الصدمات بدلاً من نقلها مباشرة إلى السوق أو المستهلك.
كما أن إدارة ملف التضخم تظهر كأولوية موازية، حيث توازن الحكومة بين امتصاص جزء من ارتفاع كلف الطاقة عالمياً وعدم تحميله كاملاً للمواطن في هذه المرحلة، وهو قرار يحمل كلفة مالية لكنه يحافظ على الاستقرار الاجتماعي ويمنع انتقال الصدمة إلى مستويات الطلب المحلي، وفي الوقت ذاته، يبرز تشديد الرقابة على الأسواق كأداة مكملة، لضمان عدم استغلال الظروف ورفع الأسعار بشكل غير مبرر.
المهم أن الحكومة لا تتعامل مع الأزمة بمنطق رد الفعل، لكن بمنطق السيناريوهات المتدرجة، عبر الانتقال من خطة إلى أخرى وفق تطور الأحداث، وهو ما يقلل من كلفة القرارات المتسرعة، وهذا النهج يعكس تراكم خبرة مؤسسية من أزمات سابقة، من الأزمة المالية العالمية إلى جائحة كورونا، حيث أثبت الاقتصاد الأردني قدرة على امتصاص الصدمات رغم محدودية موارده.
في المحصلة، ما يجري هو إعادة تعريف لأولويات إدارة المال العام في أوقات الأزمات، بحيث يصبح الانضباط المالي جزءاً من إستراتيجية الصمود الاقتصادي، وليس فقط أداة لتحقيق وفورات، وهذه المقاربة، إذا استمرت وتوسعت، قد تؤسس لنمط جديد في إدارة الموارد، قائم على الواقعية، والتدرج، وتحمل المسؤولية من داخل الحكومة قبل تحميلها للمجتمع.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية