العزة يكتب: النار الكبيرة تشعلها شرارة صغيرة
د. محمد العزة
أحيانًا، لا تحتاج الحرائق الكبرى إلى أكثر من شرارة صغيرة.
وهذا ما يتأكد لنا اليوم، عند مقارنة ما كان يهمس به سابقا، وما حذرنا منه مرارا في مقالات عدة، من سيناريوهات تُحاك بخيوط دقيقة، تقف خلفها تيارات مغلفة بعناوين وشعارات وطنية، لكنها تُدار وفق هندسة يرجّح ارتباطها بأجندات خارجية.
هذه التيارات، كل يؤدي دوره، تختبئ خلف ادعاء الحديث تحت عباءة الدولة، بينما الدولة، وقيادتها، براء من تلك الخطابات المسمومة، مهما تنوعت عناوينها ، فالمشكلة ليست في الشكل، بل في المضمون .حيث يدسّ السم في الدسم.
في مرحلة سابقة، انشغل المشهد الاردني بما سمّي بتيار “الإخونج”، على حد تعبير البعض وهو توصيف لم نعتمده يوما، إذ كنا نحرص على تسمية الأشياء بمسمياتها دون انجرار خلف الشعبوية.
أما اليوم، فنحن أمام صراع تيارات من نوع آخر ساعياً للتأزيم للدفاع عن مصالحه لا المصلحة الوطنية العامة.
صراع بين تيار نيوليبرالي ديجتالي ينظر إليه باعتباره بوابة لـ"الوطن البديل"، وبين ما يسمّى بالتيار الوطني ( الوطنج ) ، الذي ينزلق أحيانا نحو خطاب متعصّب .
كلاهما (بدرجات متفاوتة), يخضع لتوجيه مباشر أو غير مباشر ، الأول ببراغماتية ماكرة، والثاني باندفاع غير محسوب ، متعصب .
والنتيجة؟ إدخال البلاد في أزمة نحن في غنى عنها، تخدم فقط مصالح المتربصين بالأردن و ثوابته.
بدأت التنافس على هندسة الاقتصاد والاتفاق على اقتسامه ، وها هو يمتد اليوم إلى بنية المجتمع و الاختلاف على الوصاية .
نحن أمام تنافس خطير: أي التيارين يصل إلى القاع أولا ؟
وهي كارثة حقيقية، إن لم تضبط حالة الانفلات في الخطاب و السجال.
الأخطر من ذلك، هو ما قد يطفو على السطح من دعوات متطرفة، كطرح أفكار تمس مكونا أصيلا من المجتمع الأردني، عبر مقترحات عبثية تتعلق بالجنسية أو التهجير، تحت ذرائع سياسية واهية.
وهنا لا يعود الأمر مجرد رأي، بل يتحول إلى مشروع يخدم (بوعي أو بغير وعي) ، أجندات تستهدف الأردن، وتعمل على تصفية القضية الفلسطينية على حسابه.
إن هذا النوع من الطروحات لا يمكن فصله عن سياق أوسع، تقف خلفه أجندات غربية تسعى إلى خلخلة الداخل الأردني، بعدما ثبت لها صعوبة اختراقه من الخارج.
اليوم، لا خيار أمامنا إلا أن نكون جبهة واحدة، في مواجهة هذه الهندسة المركبة، التي تتداخل فيها أدوار الأفراد والتيارات، مع مصالح خارجية، لا نستبعد ارتباطها بنشاط السفارات المرتبطة بالمشاريع السياسية المطروحة داخل المنطقة ، لإنتاج حالة فوضى داخلية.
ندرك جيدا أن من يعرقل المشروع الوطني الأردني—سياسيا و اقتصاديًا—هم أولئك الذين تبنوا نموذج النيوليبرالية الديجتالية ، وتحالفوا مع ذهنية “المحافظين الجدد”، داخل بعض مفاصل القرار.
فئة تتقن عقد الصفقات، تتعامل مع الوطن بعقلية سلطة ، سطوة السوق و العمولات ، لا بعقلية رجال الدولة حول الملك .
لقد تحول بعضهم إلى عبء، ليس فقط على الدولة، بل حتى على مؤسساتها وأجهزتها، حين يدفع القصر الملكي ليكون في مواجهة مباشرة مع الشارع، بدل أن يكونوا هناك مصدات تمتص التحديات ، تقيم التوازنات ، تدير الأزمات .
لكن، ورغم كل ذلك، يبقى الأردن—وطنا وهوية وقضية—أكبر من كل هذه التيارات.
و سيفشل هذا المسار، مهما طال الزمن.
فبعد كل أزمة، تأتي لحظة مراجعة، تنكشف فيها الحقائق، ترسم ملامح مرحلة جديدة، أكثر وعيا و نضجا، تعالج الأخطاء، وتبني على ما تحقق من إنجاز.
ربما يترك “الميكروفون مفتوحًا” اليوم، تمهيدا لجردة حساب قادمة، تشمل كل تيارات التأزيم والتعتيم… وهي حتمية لا مفر منها، لأن هذا وطن دم و ارجوان
في النهاية، تبقى الدولة الأردنية قادرة ( كما كانت دائمًا ) على احتواء ، إنهاء الأزمة و لملمتها، في التوقيت المناسب الذي تختاره.




