القس سامر عازر يكتب: القدس ُ في الوجدانِ العَربي والدِيني عقيدةٌ مقدسة
القس سامر عازر
القدس ليست مدينةً عابرة في الجغرافيا، ولا مجرد فصلٍ من فصول التاريخ، بل هي حضورٌ حيّ في الضمير، وركنٌ راسخ في العقيدة، ووجدانٌ يسكن القلوب قبل أن تُسكنَهُ الحجارة. إنها المدينة التي تتقاطع فيها الأرض بالسماء، ويتعانق فيها الإيمان مع التاريخ، فتغدو أكثر من مكان، بل معنى ورسالة. انها أرض الصلاة والقداسة.
في هذا الزمن المثقل بالحروب، ترتفع الصلاة قبل أي صوت آخر: أن تتوقف الحرب، لأن لا حروب مقدسة في جوهر رسالة السماء. فالله الذي يدعو الإنسان إلى المحبة، لا يمكن أن يكون مبررًا للقتل، والسماء التي أوصت بالرحمة لا يمكن أن تبارك إراقة الدماء. إن قدسية القدس لا تُحمى بالسلاح والهيمنة، بل تُصان بالعدالة، وتُحفظ بالسلام، ويُصان إنسانها وكرامته، وأن تبقى أبوابها مفتوحة لجميعالمؤمنين لخصوصيتها ورمزيتها.
ما نشهده اليوم من إجراءات في القدس، ولا سيما إغلاق كنيسة القيامة والتضييق على المسجد الأقصى، ليس مجرد تدابير أمنية عابرة كما يُروَّج، بل هو محاولة لخلق واقع جديد، أو فرض معادلة جديدة تحت ذرائع الحرب وحماية المصلين، في تجاهل واضح للوضع القانوني والتاريخي القائم.
إن تغيير هوية المكان يبدأ غالبًا بتقييد الوصول إليه، وكأن الذاكرة يمكن أن تُمحى بإغلاق الأبواب.
إن الحد من حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة وحرية العبادة هو في جوهره محاولة لاقتلاع القدس من وجدانها العربي والديني، وهذا أمرٌ مستحيل. فالقدس ليست ملكًا لسياسات عابرة، بل هي جزء من الإيمان العميق الذي لا يُصادر، ومن التاريخ الذي لا يُزوّر، ومن الوعي الجمعي الذي لا يُقتلع.
والخبر الصادم الذي آلم القلوب، هو منع بطريرك اللاتين بييرباتستا بيتسابالا في القدس ومعه حارس الأراضي المقدسة فرانشيسكو ايلبو من الوصول إلى كنيسة القيامة لإقامة قداس أحد الشعانين. هذا الحدث لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع من التضييق، وهو يطرح تساؤلات عميقة حول حرية العبادة واحترام الخصوصية الدينية في مدينة يفترض أنها نموذج للتعددية والقداسة المشتركة.
القدس ليست حجارةً فقط، وإن كانت حجارتها تنطق بالتاريخ المقدس، بل هي أيضًا الإنسان الفلسطيني، "الحجارة الحية" التي تحمل الذاكرة وتعيش المعاناة. الفلسطيني ليس غريبًا في أرضه، بل هو ابنها، وجزء من نسيجها، وشاهدٌ حيّ على تاريخها الممتد. اقتلاع الإنسان هو أخطر من تغيير معالم المكان، لأنه محاولة لاقتلاع الشاهد الحي على الحقيقة.
وفي ظل ما تشهده الضفة الغربية من حصار وإجراءات مشددة، يُمنع كثيرون من الوصول إلى القدس، حتى أولئك الذين لا تفصلهم عنها سوى أجزاء بسيطة من الساعة. إن هذا الواقع الإنساني المؤلم يضيف بُعدًا جديدًا للمعاناة، حيث تتحول المسافات القصيرة إلى حواجز طويلة من المنع والحرمان.
إن الدعوة اليوم ليست فقط لفتح المقدسات، بل لفتح الأفق أمام رؤية إنسانية تحترم حق العبادة، مع الأخذ بعين الاعتبار سلامة المصلين وفق التعليمات العامة، دون أن تتحول هذه الاعتبارات إلى ذرائع دائمة للإغلاق والتقييد.
لقد جاء بيان رؤساء الكنائس في القدس واضحًا في إدانة إغلاق كنيسة القيامة والمطالبة بفتحها، كما صدر موقف رسمي عن الحكومة الأردنية والفاتيكان ودول أخرى يدين هذه الإجراءات ويعتبرها خرقًا فاضحًا للقانون الدولي، وتعديًا على حرية العبادة وحقوق الإنسان. وهذه المواقف تعبّر عن ضمير حيّ، لكنها تحتاج أن تُستكمل بصوت عالمي أوسع.
إن الكنائس في العالم مدعوة اليوم أن ترفع صوتها، لا دفاعًا عن حجارة، بل عن إنسان، وعن حق مقدس في الصلاة، وعن رسالة إنجيلية تدعو إلى السلام والعدالة. فالسكوت في مثل هذه اللحظات ليس حيادًا، بل تراجع عن الشهادة للحق.
ستبقى القدس في الوجدان العربي والديني عقيدةً مقدسة، لا تُغلق أبوابها بقرار، ولا تُمحى من الذاكرة بإجراء. هي مدينة السلام التي تنتظر من يصنع السلام لا من يبرر الحروب. وفي زمن الانقسام، تبقى القدس دعوة مفتوحة أن يعود الإنسان إلى جوهر رسالته: أن يكون صانع سلام، لأن في السلام وحده تتحقق قداسة الأرض والإنسان معًا.






