الدعجة يكتب: مؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي: رؤية ملكية لتحويل التحديات إلى فرص

{title}
أخبار الأردن -

 

 

حسن الدعجة


في لحظة إقليمية تتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية، وتداخل الأزمات الاقتصادية والأمنية، يبرز انعقاد مؤتمر الاستثمار الأردني- الأوروبي 2026 في منطقة البحر الميت، تحت الرعاية الملكية السامية لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، كرسالة إستراتيجية تتجاوز البعد الاقتصادي التقليدي، لتؤكد أن الأردن ماضٍ بثبات في ترسيخ نموذج الدولة المستقرة القادرة على تحويل التحديات إلى فرص تنموية حقيقية.
 

لا يأتي هذا المؤتمر في سياق اعتيادي، بل في ظل بيئة إقليمية مضطربة تشهد حروبًا مفتوحة، وتهديدات لأمن الطاقة وسلاسل التوريد، ما يجعل من أي مبادرة استثمارية بهذا الحجم خطوة محسوبة بعناية ضمن رؤية استراتيجية شاملة. وهنا، يتجلى الدور المحوري للقيادة الهاشمية، التي عملت عبر السنوات على بناء منظومة استقرار سياسي وأمني، جعلت من الأردن نقطة ارتكاز إقليمية في محيط شديد التقلب.
إن الرعاية الملكية لهذا المؤتمر لا تعكس فقط دعماً سياسياً، بل تعبر عن إرادة استراتيجية لتكريس الأردن كمركز إقليمي للاستثمار المستدام، مستندًا إلى موقعه الجغرافي الفريد، وشبكة اتفاقياته التجارية التي تتيح الوصول إلى أكثر من 140 سوقًا عالميًا، وهو ما يمنح المستثمرين الأوروبيين بوابة آمنة وفعالة نحو أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.
وفي هذا السياق، فإن الشراكة الأردنية- الأوروبية تمثل أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي للأردن، حيث تأتي الحزمة التمويلية الأوروبية البالغة 3 مليارات يورو كأداة عملية لتحويل الرؤى إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، خاصة في قطاعات حيوية مثل الأمن المائي، والطاقة الخضراء، والبنية التحتية الرقمية، والمعادن الاستراتيجية. وهذه القطاعات لا تعكس فقط أولويات اقتصادية، بل تمثل رهانات المستقبل في عالم يتجه نحو التحول الرقمي والاقتصاد الأخضر.
ومن منظور استشرافي، فإن التركيز على الطاقة المتجددة يعكس إدراكًا عميقًا للتحولات العالمية في أسواق الطاقة، خاصة في ظل التذبذب المستمر في أسعار النفط نتيجة الأزمات الإقليمية، بما فيها التوترات المرتبطة بممرات الطاقة الحيوية مثل مضيق هرمز. وهنا، يسعى الأردن إلى تقليل اعتماده على الطاقة المستوردة، وتعزيز أمنه الطاقي عبر الاستثمار في مصادر نظيفة ومستدامة، وهو ما يجعله شريكًا جذابًا للمستثمر الأوروبي الذي يبحث عن بيئات مستقرة ومشاريع ذات عائد طويل الأمد.
أما في قطاع المياه، فإن الأردن، كأحد أكثر دول العالم شحًا في الموارد المائية، يقدم نموذجًا متقدمًا في إدارة الموارد النادرة، ما يفتح المجال أمام استثمارات نوعية في تقنيات تحلية المياه وإعادة استخدامها، وهي مجالات تحظى باهتمام عالمي متزايد في ظل التغير المناخي.
ولا يقل أهمية عن ذلك، البعد اللوجستي الذي يعززه موقع الأردن كبوابة إقليمية، خاصة مع تطور البنية التحتية وربطها بمشاريع إقليمية كبرى، ما يتيح للمستثمرين الاستفادة من موقع استراتيجي يربط بين ثلاث قارات. ويعزز هذا الدور توفر ممرات نقل حديثة، ومناطق لوجستية متقدمة، إضافة إلى شبكة اتفاقيات تجارية تسهّل حركة السلع والخدمات. كما يتيح الاستقرار الأمني والتشريعي في الأردن بيئة موثوقة لإعادة توجيه سلاسل التوريد، خصوصًا في ظل الاضطرابات العالمية الأخيرة. ومن هنا، يبرز الأردن كمحور حيوي قادر على دعم التجارة الإقليمية والدولية، وجذب الاستثمارات المرتبطة بالخدمات اللوجستية والتصنيع وإعادة التصدير.
ورغم التحديات، فإن الأردن يقدم نموذجًا فريدًا في التوازن بين الأمن والتنمية، حيث استطاع الحفاظ على استقراره الداخلي، في وقت تعاني فيه دول عديدة من تفكك مؤسساتها. ويعود ذلك إلى سياسات حكيمة قادها جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي أدرك مبكرًا أن الأمن لا ينفصل عن التنمية، وأن الاستثمار هو أحد أدوات تعزيز الاستقرار. كما عملت الدولة على تطوير بيئة تشريعية مرنة، وتعزيز سيادة القانون، ودعم المؤسسات الاقتصادية، بما يرسخ ثقة المستثمرين. ويعكس هذا النهج قدرة الأردن على التكيف مع الأزمات الإقليمية، وتحويل الضغوط إلى فرص للنمو المستدام.
كما أن المؤتمر يشكل منصة عملية لتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، من خلال جلسات حوارية ولقاءات مباشرة (B2B وG2B)، ما يسهم في تسريع تحويل الفرص إلى مشاريع فعلية، ويعزز الثقة بين المستثمرين وصناع القرار. وهذا البعد العملي يميز المؤتمر عن غيره من الفعاليات، حيث لا يقتصر على الطرح النظري، بل يسعى إلى تحقيق نتائج ملموسة على الأرض.
وعلى المستوى السياسي، فإن انعقاد المؤتمر بحضور قيادات أوروبية رفيعة، وعلى رأسهم رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، يعكس عمق الشراكة الإستراتيجية بين الأردن والاتحاد الأوروبي، ويؤكد الثقة الدولية في الاقتصاد الأردني، رغم التحديات الإقليمية.
في المحصلة، يمكن القول إن مؤتمر الاستثمار الأردني–الأوروبي 2026 يتجاوز كونه حدثًا اقتصاديًا، ليجسد رؤية استراتيجية يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني نحو تحويل الأزمات إلى فرص، وتعزيز موقع الأردن كمركز إقليمي للاستثمار والنمو المستدام. وتستند هذه الرؤية إلى شبكة علاقات متينة تربط جلالته برؤساء وزعماء الدول الأوروبية، ما يعزز الثقة السياسية ويفتح آفاقًا أوسع للتعاون الاقتصادي والاستثماري. كما تلعب جهود سفير دول الاتحاد الأوروبي بيير-كريستوف تشاتزيسافاس وسفارة الاتحاد الأوروبي في عمّان دورًا محوريًا في تعميق هذه الشراكة، من خلال دعم الحوار المؤسسي وتسهيل التواصل بين مجتمع الأعمال وصناع القرار. وبذلك، يتحول المؤتمر إلى منصة استراتيجية تعكس قوة العلاقات السياسية وتترجمها إلى فرص تنموية ملموسة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية