أبو زينة يكتب: هل تخسر أميركا حربها على إيران..؟! (2/2)
علاء الدين أبو زينة
دول الخليج: من مظلة حماية إلى أهداف مباشرة
في قراءته لموقف دول الخليج العربية في الحرب الجارية على إيران، يلاحظ العالِم السياسي جون ميرشايمر أنها تجد نفسها اليوم في موقع بالغ التعقيد. بينما تعتمد هذه الدول على الولايات المتحدة لضمان أمنها، أصبح هذا الاعتماد نفسه سببًا في تقويض أمنها بتحويلها إلى أهداف مباشرة للهجمات الانتقامية الإيرانية.
ويقدم ميرشايمر سيناريوهين لمستقبل هذه العلاقة مع الولايات المتحدة. في الأول تدرك هذه الدول أن التحالف مع واشنطن يجلب لها المخاطر، فتسعى إلى الابتعاد عنها- أو على الأقل تقليص الاعتماد عليها. وفي الثاني، ترى في إيران تهديدًا أكبر، فتزداد تمسكًا بالحماية الأميركية. لكن ميرشايمر يميل إلى ترجيح السيناريو الأول، مستشهدًا بمؤشرات سابقة على تراجع الثقة الخليجية في الولايات المتحدة، منها التقارب مع قوى أخرى مثل باكستان وتركيا.
الكيان: جبهات متعددة ومستقبل غامض
في ما يتعلق بالكيان الصهيوني، يقدم ميرشايمر تقييمًا حادًا للوضع الإستراتيجي. ويرى في صغر حجم الكيان، كـ"دولة بحجم طابع بريد"، سببًا في هشاشته أمام الهجمات المكثفة. ومع تعدد الجبهات التي يشتبك فيها– مع إيران، و"حزب الله"، وغزة- تصبح قدرته على التحمل أكثر محدودية.
لكنّ العنصر الأخطر على الكيان، كما يلاحظ ميرشايمر، هو البعد النفسي والاجتماعي للحرب. سوف يبدأ المجتمع الذي يعيش تحت تهديد دائم، ويضطر إلى الاختباء في الملاجئ بشكل متكرر، في طرح أسئلة وجودية حول مستقبله. ويذهب ميرشايمر أخيرًا إلى التساؤل: ماذا سيحدث إذا اقتربت إيران من امتلاك سلاح نووي حقًا؟ هل سيبقى "الإسرائيليون" حيث هم، أم سيبحثون عن حياة أكثر أمانًا في مكان آخر؟
إيران نووية: نتيجة
عكسية للحرب
من المفارقات التي يبرزها ميرشايمر أن هذه الحرب قد تسفر عن النتيجة المعاكسة تمامًا لما سعت إليه من الأساس. بدلًا من منع إيران من امتلاك سلاح نووي، قد تدفعها هذه الحرب إلى تسريع هذا المسار. ويشير إلى أن القيادة الحالية في إيران تبدو أكثر ميلاً إلى هذا الخيار من سابقتها- خاصة مع تنامي شعورها بالتهديد الوجودي.
وهو ما يعني أن هذه الحرب يمكن أن تفضي على المدى البعيد إلى زيادة المخاطر بدلًا من تقليلها، من خلال إدخال عامل نووي جديد في معادلة إقليمية متوترة مسبقًا.
الولايات المتحدة: الحرب وتآكل الداخل
في رؤيته للبعد الداخلي للحرب، يرى ميرشايمر أن انخراط أميركا المتواصل في الحروب يؤدي إلى تآكل القيم الليبرالية، وتحويل الدولة إلى ما يشبه "دولة صليبية" تعتمد على القوة العسكرية كأداة رئيسة للسياسة الخارجية.
وفي هذا السياق، ينتقد ما يراه تراجعًا في احترام الدستور وسيادة القانون، وتهميشًا لدور المؤسسات، خاصة في ظل قيادة مثل قيادة دونالد ترامب التي تميل إلى العمل الأحادي وتجاهل مصالح الحلفاء.
روسيا والصين: المستفيدون الصامتون
يشير ميرشايمر أيضًا إلى دور القوى الكبرى الأخرى، خصوصًا روسيا والصين. وعلى الرغم من عدم انخراطهما مباشرة، تمتلك هاتان الدولتان مصلحة واضحة في إضعاف الولايات المتحدة. ويؤكد أن تقديم الدعم الاستخباراتي والتقني لإيران- ولو بقدر محدود- يساهم في تعزيز قدرتها على الصمود، ويطيل أمد الصراع.
ومع مرور الوقت، كما يتوقع ميرشايمر، سيزداد هذا الدعم بحيث يجعل مهمة الولايات المتحدة وإسرائيل أكثر صعوبة، ويضيف المزيد من التعقيد إلى المشهد الدولي.
مأزق النهاية: لا نصر واضح ولا مخرج سهل
مثل ما قدر ميرشايمر، تتبلور هذه الحرب بعد أسابيعها الأولى لتصبح مأزقًا مفتوحًا على نهايات غامضة. ما تزال أميركا عاجزة عن تحقيق أهدافها من دون المغامرة بالانزلاق إلى تصعيد خطير قد لا تتحمل كلفته. ولا تجد إيران سببًا لإنهاء القتال من دون تحقيق مكاسب إستراتيجية ما. ووفق هذه المعادلة، يصبح استمرار الحرب في صورة استنزاف مطول هو الاحتمال الأكثر واقعية- ما لم يحدث تطور نوعي غير متوقع. وهو وضع ينطوي في الحقيقة على مفارقة كبيرة: ثمة القوة الأعظم عالميًا تجد نفسها عالقة في صراع لا تستطيع حسمه ولا الانسحاب منه بسهولة، في لحظة دولية شديدة الحساسية تجاه الاستقرار الاقتصادي والتوازن السياسي، بحيث تكون تداعيات هذا الإخفاق أوسع بكثير من مجرد خسارة عسكرية.
يتجسد هذا المأزق بوضوح الآن في سلوك إدارة ترامب، التي تراوح بين إعلان النصر والسعي إلى التفاوض، وبين تصعيد عسكري متواصل وتردد في اتخاذ خطوات حاسمة خشية كلفتها. وهو موقف يعكس غياب رؤية واضحة لنهاية الحرب أكثر مما يعكس مرونة إستراتيجية. وتبدو الخيارات المطروحة، من استهداف أصول إيرانية حيوية إلى التفكير في عمليات برية، رهانات محفوفة بالمخاطر لا تمس مركز الثقل الحقيقي في الحسابات الإيرانية، حيث مضيق هرمز هو ورقة الضغط الأهم. وهي خيارات ربما تدفع نحو توسيع نطاق التصعيد بدلًا من تقريب الحسم.
وسط هذه الفوضى من المتناقضات، لا مكان لليقين ولا للثقة. في طهران، يُقرأ التفاوض تحت النار مع تعاظم الحشد العسكري كتكتيك خداعي. وفي الجانب الآخر، يكشف التلويح بالقوة من دون استعداد لتحمّل كلفها عن فجوة عميقة بين الأهداف المعلنة والقدرة الفعلية على تحقيقها. وتتجاوز هذه الإشكالية الارتباك التكتيكي إلى التأشير على خلل أعمق في التفكير الإستراتيجي الأميركي، قائم على تضخيم القوة الذاتية، والاستهانة بخصوم قادرين على التكيّف، والاعتماد على أدوات لا تنسجم مع طبيعة الأهداف.
هكذا تتحول الحرب من وسيلة لفرض الإرادة إلى عبء إستراتيجي يربك صانع القرار، ويكشف حدود القوة الأميركية بدلًا من ترسيخها. ولا بد أن يصاحب ذلك تآكل مظهر الردع، واهتزاز ثقة الحلفاء، واستنزاف المكانة الدولية. وهو ما قد يجعل هذه الحرب لحظة مفصلية تُسرّع أفول الهيمنة الأميركية، وتعيد تعريف القوة خارج منطق التفوق العسكري.







