آل خطاب يكتب:30 يوما على الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران...المكاسب والرهانات

{title}
أخبار الأردن -

 

أ.د عيسى الشلبي آل خطاب 

جامعة الحسين بن طلال 

شهدت منطقة الشرق الأوسط تحوّلاً استراتيجياً عميقاًمع اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير-شباط 2026، حيث مثّلت هذه المواجهة انتقالاً واضحاً من نمط الصراع غير المباشر إلى الحرب المفتوحة بين أطراف رئيسة في الإقليم. جاءت هذه الحرب في سياق تصاعد التوترات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، وفشل المسارات الدبلوماسية في التوصل إلى تسوية شاملةمنذ فترة طويلة، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تبنّي خيار القوة العسكرية بهدف إعادة تشكيل موازين القوى للمنطقة وبعد مرور ثلاثون يوماً على بدء العمليات، بات من الممكن قراءة ملامح أولية للنتائج، وفهم طبيعة المكاسب التي حققها كل طرف، إلى جانب تحليل الرهانات التي تحكم استمرار هذا الصراع.

منذ الأيام الأولى، اتسمت العمليات العسكرية بكثافة غير مسبوقة، حيث ركّزت الضربات الأمريكية–الإسرائيلية على البنية التحتية العسكرية الإيرانية، بما في ذلك قواعد الصواريخ والمنشآت الحيوية ومراكز القيادة والسيطرة. وقد أسهم هذا النهج في إحداث خلل ملموس في القدرات العملياتية الإيرانية، خصوصاً على مستوى التنسيق العسكري، كما أدى إلى خسائر في القيادات العسكرية العليا، الأمر الذي شكّل ضغطاً كبيراً على بنية النظام الدفاعي الإيراني. في المقابل، سعت الولايات المتحدة إلى تحقيق هدف أوسع يتمثل في فرض معادلة ردع جديدة في المنطقة، تُقلّص من قدرة إيران على تهديد المصالح الأمريكية وحلفائها، بينما ركّزت إسرائيل على إزالة ما تعتبره تهديداً وجودياً، عبر إضعاف القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية.

ورغم شدة الضربات، لم يؤدِّ ذلك إلى انهيار الدولة الإيرانية، بل أظهرت طهران قدرة لافتة على امتصاص الصدمة وإعادة ترتيب صفوفها. فقد تمكنت من تعويض جزء من خسائرها القيادية بسرعة، واستمرت مؤسسات الدولة في العمل، ما يعكس درجة من المرونة السياسية والتنظيمية. كما اعتمدت إيران استراتيجية مضادة قائمة على توسيع نطاق الصراع، حيث نفذت ضربات على أهداف مرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة، إضافة إلى استهداف العمق الإسرائيلي، وهو ما ساهم في نقل الحرب إلى مرحلة أكثر تعقيداً. وبذلك، لم تعد المواجهة محصورة في الضربات المباشرة، بل تحولت إلى حرب متعددة الجبهات، تتداخل فيها الأدوات العسكرية التقليدية مع أساليب الاستنزاف طويل الأمد.

وتختلف الدول في تبني استراتيجياتها العسكرية وفقًا لقدراتها وأهدافها، ويظهر ذلك بوضوح عند مقارنة نهج الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران. إذ تميل الولايات المتحدة وإسرائيل إلى اعتماد الاستراتيجية الهجومية القائمة على المبادرة والضربات الاستباقية، بهدف منع التهديدات قبل وقوعها، مستفيدة من تفوقهما العسكري والتكنولوجي وقدرتهما على تنفيذ عمليات دقيقة وسريعة داخل وخارج حدودهما.

في المقابل، تعتمد إيران على استراتيجية دفاعية مرنة تُعرف بالدفاع غير المباشر، حيث تسعى إلى تجنب المواجهة المباشرة مع خصوم أقوى، وتعمل على نقل الصراع خارج حدودها عبر حلفاء إقليميين، إضافة إلى تطوير قدراتها الصاروخية وأساليب الحرب غير المتكافئة كوسائل للردع.

وفي المحصلة، يعكس هذا التباين اختلاف موازين القوة، حيث تختار كل دولة الاستراتيجية التي تحقق أهدافها بأقل كلفة، بين الهجوم المباشر من جهة، والدفاع المرن غير المباشر من جهة أخرى.

على صعيد المكاسب، يمكن القول إن الولايات المتحدة وإسرائيل حققتا نجاحات تكتيكية مهمة، تمثلت في إضعاف البنية العسكرية الإيرانية وإرباك منظومة القيادة والسيطرة، إضافة إلى إلحاق أضرار بالبنية الاقتصادية، خاصة في قطاع الطاقة. إلا أن هذه المكاسب لم تُترجم حتى الآن إلى إنجاز استراتيجي حاسم، إذ لم يتحقق الهدف الأكبر المتمثل في تغيير سلوك النظام الإيراني بشكل جذري أو إسقاطه. في المقابل، استطاعت إيران أن تحقّق نوعاً من “الصمود الاستراتيجي”، من خلال الحفاظ على تماسكها الداخلي، ورفع تكلفة الحرب على خصومها، وتحويل المواجهة إلى صراع مفتوح يستنزف قدرات الطرف الآخر بمرور الوقت.

أما من حيث التكاليف، فقد كانت الحرب باهظة على جميع الأطراف. فقد أدت العمليات العسكرية إلى تدمير واسع في البنية التحتية، وخلّفت آثاراً إنسانية وبيئية كبيرة، فضلاً عن تداعيات اقتصادية امتدت إلى أسواق الطاقة العالمية، حيث شهدت أسعار النفط تقلبات حادة نتيجة التهديدات المتكررة للملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز. كما انعكست الحرب على البيئة السياسية الدولية، إذ برزت تباينات في مواقف القوى الكبرى، وظهرت مؤشرات على اختلاف في أولويات واشنطن وتل أبيب، ما قد يؤثر على مسار التنسيق بينهما مستقبلاً.

في هذا السياق، تبرز مجموعة من الرهانات التي تحكم تطور الصراع. تراهن الولايات المتحدة وإسرائيل على إمكانية تحقيق حسم تدريجي، سواء عبر مزيد من الضربات التي تُضعف إيران إلى حد كبير، أو من خلال فرض واقع سياسي جديد يدفعها إلى تقديم تنازلات جوهرية. في المقابل، تعتمد إيران على رهان الاستنزاف، حيث تسعى إلى إطالة أمد الحرب ورفع كلفتها، مع توسيع دائرة المواجهة بما يمنع خصومها من تحقيق نصر سريع. كما يظل احتمال التوسع الإقليمي قائماً، في ظل إمكانية انخراط أطراف أخرى بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو ما قد يحوّل الصراع إلى حرب إقليمية شاملة.

ومع استمرار العمليات، يبرز أيضاً رهان التفاوض كخيار محتمل، خاصة إذا وصلت الأطراف إلى قناعة بعدم جدوى الحسم العسكري. في هذه الحالة، قد تعود الجهود الدبلوماسية إلى الواجهة، لكن بشروط مختلفة تعكس موازين القوى الجديدة التي أفرزتها الحرب. ومن المرجح أن تكون أي تسوية مستقبلية أكثر تعقيداً، نظراً لتراكم الخسائر وارتفاع مستوى عدم الثقة بين الأطراف.

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، بعد ثلاثون يوماً من اندلاعها، لم تصل إلى نقطة حسم واضحة، بل دخلت مرحلة تتسم بالغموض والتعقيد. فبينما تحققت مكاسب عسكرية ملموسة، لا تزال النتائج الاستراتيجية مفتوحة على عدة احتمالات، تتراوح بين الاستنزاف طويل الأمد، والتصعيد الإقليمي، أو العودة إلى طاولة المفاوضات. وفي جميع الأحوال، يبدو أن هذه الحرب ستترك آثاراً عميقة على بنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وقد تعيد تشكيل توازناته لسنوات قادمة، في ظل بيئة دولية تتسم أصلاً بقدر كبير من السيولة وعدم الاستقرار.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية