التل يكتب: "ليش كيلو البندورة بدينار" ؟!!.. يا حكومة
د.مصطفى التل
في خضم الجدل الدائر حول ارتفاع أسعار الخضار والفواكه في الأسواق الأردنية، يبرز سؤال محير: لماذا يصل سعر كيلو البندورة إلى دينار، رغم أن الأردن ينتج قرابة 800 طن يومياً من هذه المادة الأساسية؟!
هذا السؤال الذي يطرحه الشعب الأردني " المسخّم " يمثل حيرة الملايين من المواطنين الذين يتساءلون عن التناقض الصارخ بين وفرة الإنتاج المحلي وغلاء الأسعار.
محاولة فهم هذا التناقض تقودنا إلى الغوص في أرقام رسمية، وتقارير صحفية استقصائية، وآراء خبراء الاقتصاد الزراعي، لكشف الخيوط الخفية لهذه الأزمة التي تتكرر موسمياً وكأنها قدر محتوم.
بحسب تصريحات الناطق باسم وزارة الزراعة لورانس المجالي في آب 2024، فإن الأردن ينتج 800 طن من البندورة يومياً على مدار العام، منها 500 طن ترد إلى الأسواق المركزية لتلبية حاجة الاستهلاك المحلي، و300 طن يتم تصديرها إلى الخارج.
كما أشار المجالي إلى أن هناك 80 ألف دونم مزروعة بالبندورة في الأغوار والمناطق الصحراوية، وأن انخفاض الإنتاج في فترات انتقال العروات يؤدي إلى ارتفاع تدريجي في الأسعار، واصفاً إياه بأنه "مؤقت من أسبوع إلى 10 أيام".
في تصريح لاحق في آذار 2026، أوضح وزير الزراعة الدكتور صائب خريسات أن الكميات الواصلة للسوق المركزي انخفضت إلى 480 طناً يومياً، أي أقل من الاحتياج بنسبة 4% فقط (20 طناً)، مما دفع الحكومة إلى البدء بـ "تقييد التصدير تدريجياً" وصولاً إلى وقفه كلياً في حال استمرار ارتفاع الأسعار.
لكن إذا كان العجز في السوق المحلي لا يتجاوز 20 طناً يومياً، وإذا كان التصدير يستهلك 300 طن يومياً، فلماذا لا يتم وقف التصدير مؤقتاً وتوجيه الكميات المصدرة للسوق المحلي لينتهي العجز وينخفض السعر؟!
هنا يظهر التناقض الرئيسي: الحكومة تتبع سياسة "التقييد التدريجي" وليس الوقف الفوري، وهو ما يعني أن جزءاً من الإنتاج يستمر بالتصدير رغم وجود حاجة محلية.
يفسّر مراقبون هذا التردد بأنه ناتج عن الالتزام بعقود تصدير مع الأسواق الخارجية، خاصة دول الخليج، والخوف من خسارة أسواق التصدير التي قد لا تعود بسهولة بعد انتهاء الأزمة، بالإضافة إلى نفوذ تجار التصدير الذين يعتبرون قطاعاً مهماً في الاقتصاد , النتيجة أن المستهلك المحلي يدفع ثمن حماية حصة التصدير، في مشهد يعيد إنتاج أزمة متكررة كل موسم.
الأزمة كما يبدو أعمق من مجرد نقص مؤقت في الكميات. في تحقيق استقصائي بعنوان "البندورة في الحلابات: مياه مهدورة وحقوق ضائعة"، وثقت شبكة "أريج" الصحفية أبعاداً أخرى تكشف أن المشكلة تمتد لجذور هيكلية.
التقريرالذي استند إلى استبيان شمل 20 مزارعاً في منطقة الحلابات بمحافظة الزرقاء، كشف أن 18 مزارعاً منهم تخلصوا من محاصيل بندورة زرعوها في السنوات الماضية بسبب انخفاض الأسعار وعدم تغطية تكاليف الإنتاج، وأن نحو ثلثي المزارعين توقفوا عن زراعة البندورة نهائياً.
والأكثر إثارة أن سعر باب المزرعة، وهو ما يتبقى للمزارع بعد طرح جميع التكاليف التسويقية، لا يتجاوز 20 قرشاً للكيلوغرام الواحد، بينما يُباع في الأسواق للمستهلك بنحو دينار أردني.
الخبير الاقتصادي الزراعي محمد طبية، رئيس قسم الاقتصاد والأعمال الزراعية بالنيابة في الجامعة الأردنية، أوضح أن "المزارع محكوم للوسطاء الذين يزودونه بكل ما يحتاجه، ويقومون بشراء محصوله بهامش ربح محدود"، مشيراً إلى أن الفجوة بين سعر المزرعة وسعر المستهلك تعكس هيمنة الوسطاء وغياب التنظيم.
كما أشار التقرير إلى تراجع ميزانية الإرشاد الزراعي وغياب النمط الزراعي المنظم الذي كان ناجحاً في ثمانينيات القرن الماضي، حيث كان يأخذ بعين الاعتبار حاجة الأسواق في الداخل والخارج ويستوعب التصنيع الزراعي الفائض من المحاصيل.
هذا الانسحاب الحكومي من دورها التنظيمي هو ما يقودنا إلى السؤال الجوهري: هل انسحاب الحكومة من السوق هو السبب الحقيقي وراء هذا التدهور التدريجي؟! , الخبير الاقتصادي الزراعي الدكتور فاضل الزعبي وصف هذا الانسحاب بأنه بدأ في التسعينيات، حيث "انسحبت الدولة من القطاع الزراعي دون توفير بدائل " .
قبل هذا الانسحاب، كان النمط الزراعي يعتمد على منح المزارعين رخصاً بالمساحات التي تُزرع ونوعها لتجنب الفوائض المدمرة، وتوفير جهات ممولة وجهات تصنيع لاستيعاب الإنتاج، ومراقبة أسعار الإنتاج الزراعي وإيجاد أسواق خارجية مستقرة.
بعد تفكيك هذا النمط، أصبح كل مزارع يزرع ما يشاء وفي أي وقت يشاء، مما أدى إلى تخبط في المعروض : مرة فائض يضطر معه لإتلاف المحصول، ومرة عجز يؤدي إلى غلاء فاحش على المستهلك. …






