أبو زينة يكتب: هل تخسر أميركا حربها على إيران..؟! (2/1)

{title}
أخبار الأردن -

 

علاء الدين أبو زينة


بينما كانت حرب الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في أسبوعها الثالث، قدّر أستاذ العلاقات الدولية في جامعة شيكاغو، جون ميرشايمر، أن الحرب تحولت من مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بين قوى غير متكافئة إلى اختبار شامل للفرضيات التي حكمت طويلًا التفكير الإستراتيجي الأميركي. وفي مقابلة مطولة أجراها معه الصحفي الأميركي كريس هيدجز في برنامجه الحواري «تقرير كريس هيدجز» (17 آذار/ مارس بعنوان «لماذا تخسر أميركا حربها مع إيران» Why the US Is Losing Its War With Iran)، قدم ميرشايمر قراءة شاملة للمشهد، كشفت عن فجوة عميقة بين الطموحات السياسية والقدرات الواقعية، وبين منطق القوة ومنطق النتائج.
 

في الحوار، أقام ميرشايمر أطروحته عن سيرورة الحرب على فرضية أساسية: هذه الحرب لم تكن حتمية، وإنما كانت نتيجة عملية دفع مطوّلة قادها الكيان الصهيوني لإقناع الولايات المتحدة بمواجهة إيران عسكريًا. ووفقًا لتحليله، فإن ما فشل في تحقيقه الكيان مع إدارات أميركية سابقة -من باراك أوباما إلى جو بايدن- نجح فيه بنيامين نتنياهو أخيرًا مع إدارة دونالد ترامب. وبحسب ميرشايمر، كان سبب نجاح هذا المسعى هو أن ترامب كان أكثر قابلية لتصديق سردية «الحسم السريع»، وأقل إحاطةً بنصائح المؤسسة العسكرية الأميركية التي كانت تعارض هذه المغامرة. وسوف أعرض في ما يلي العناوين التي تناولها ميرشايمر في المقابلة، بإيجاز.
وهم «الضربة القاضية»
يشخص ميرشايمر أحد أكثر الأخطاء جوهرية في هذه الحرب: الاعتقاد بأن تصفية القيادة الإيرانية يمكن أن تؤدي إلى انهيار النظام. وتقوم هذه الفكرة- التي تُعرف في الأدبيات العسكرية بـ»ضربة قطع الرأس»- على تصور مبسط لطبيعة الأنظمة السياسية، وكأنها هياكل هشة تنهار بمجرد إزالة قمتها.
يرفض ميرشايمر هذا التصور، ويستند إلى سجل تاريخي طويل يُظهر أن الأنظمة، خصوصًا في أوقات الحرب، تصبح أكثر تماسكًا. وبدلاً من أن تؤدي الضربات الجوية إلى تمرد داخلي، فإنها تنتج غالبًا ما يسميه «الالتفاف حول العلم». وقد تكرر هذا النمط في ألمانيا واليابان خلال الحرب العالمية الثانية، وفي فيتنام وكوريا لاحقًا. وبذلك، لم يكن الرهان على تغيير النظام في إيران بالقصف الجوي وحده، من وجهة نظره، أكثر من ضعيف؛ كان شبه مستحيل.
حدود القوة الجوية
يُصرّ ميرشايمر على أن أحد أخطر الأوهام في التفكير العسكري الأميركي هو المبالغة في تقدير فعالية القوة الجوية. والتاريخ، كما يقول، «واضح بشكل لا لبس فيه»: لا يمكن تحقيق تغيير سياسي جذري بالقصف وحده، ما لم يترافق مع تدخل بري مباشر. لكن هذا الخيار الذي يعني إرسال قوات برية إلى إيران غير مطروح عمليًا، بالنظر إلى حجم البلد، وعدد سكانه، وتعقيد تضاريسه، وتجارب الولايات المتحدة المريرة في العراق وأفغانستان.
بحسب ميرشايمر، ينطوي هذا الموقف على تناقض أساسي: تريد الولايات المتحدة تحقيق أهداف قصوى (تغيير النظام)، لكنها غير مستعدة لاستخدام الوسائل التي قد تجعل ذلك ممكنًا (التدخل البري). وهذه الفجوة بين الأهداف والوسائل، بحسب ميرشايمر، هي وصفة مؤكدة للفشل الإستراتيجي.
إيران: إستراتيجية الضعيف الذكي
في المقابل، كما يرى ميرشايمر، تتبع إيران إستراتيجية أكثر انسجامًا مع قدراتها. إنها لا تحاول مواجهة التفوق العسكري الأميركي مباشرة، وإنما تسعى بدلًا من ذلك إلى تحويل الحرب إلى ساحة استنزاف متعددة الأبعاد. ويؤكد ميرشايمر أن إيران تمتلك «ترسانة ضخمة من الصواريخ الباليستية قصيرة المدى والطائرات المسيّرة» التي لها ضرب أهداف حساسة في منطقة الخليج بسهولة نسبية.
لكنّ الأهم من ذلك، وفقًا لتحليله، هو أن إيران اختارت استهداف البنية التحتية الاقتصادية، وليس العسكرية فقط. ولا تهدف الهجمات على منشآت النفط، ومحطات التحلية، والموانئ، إلى إلحاق الضرر المباشر بقدر ما تسعى إلى خلق حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي الإقليمي والدولي. وتعكس هذه الإستراتيجية، في رأيه فهمًا عميقًا لطبيعة النظام العالمي، حيث يمكن لاضطراب في نقطة واحدة (الخليج) أن يُحدث صدمة في الاقتصاد العالمي بأكمله.
مضيق هرمز: نقطة الاختناق العالمية
يبرز مضيق هرمز في هذا الإطار كواحد من أهم عناصر المعركة. ويوضح ميرشايمر أن أهمية الخليج الإستراتيجية لا تتعلق بوجود قوى عظمى فيه، وإنما تعود إلى كونه مركزًا مهمًا لإنتاج وتصدير النفط. وبذلك، قد يؤدي أي تعطيل لتدفق النفط من هذه المنطقة إلى تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي.
ولا يقتصر الأمر على ارتفاع أسعار الوقود، بل يمتد إلى سلسلة من التأثيرات: ارتفاع تكاليف الإنتاج، تضخم متسارع، تراجع في النمو، وربما دخول الاقتصاد العالمي في حالة ركود أو كساد. ويشدد ميرشايمر على أن هذه ليست سيناريوهات خيالية، بل احتمالات واقعية يدركها صناع القرار في واشنطن، وهو ما يفسر- جزئيًا- بحثهم عن «مخرج» من الحرب.
سُلّم التصعيد: طريق بلا نهاية واضحة
من المفاهيم المركزية في تحليل ميرشايمر فكرة «سُلّم التصعيد». وهو يرى الحرب الراهنة كحالة غير ثابتة، وكعملية تصاعدية، حيث يؤدي كل تصعيد من طرف إلى رد مماثل من الطرف الآخر. وفي هذا السياق، يشكك في فكرة «الهيمنة التصعيدية» الأميركية، بمعنى القدرة على التحكم بمستوى التصعيد ومنع الخصم من مجاراته.
على العكس من التصور السائد، يرى ميرشايمر أن إيران قادرة على مواكبة التصعيد- بل وحتى استغلاله- خاصة في ظل امتلاكها أدوات غير مكلفة نسبيًا (مثل الطائرات المسيّرة) يمكن استخدامها لإلحاق أضرار كبيرة. ومع مرور الوقت، كما يشير، سوف تتآكل قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على الدفاع (بالصواريخ الاعتراضية)، بالنظر إلى محدودية هذه الموارد مقارنة بحجم الهجمات المحتملة.- (يُتبع)

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية