ملكاوي يكتب: المعركة على الوعي

{title}
أخبار الأردن -

 

موفق ملكاوي


في الحرب الدائرة اليوم، تقدم إيران نفسها على أنها تخوض «معركة الأمّة» دفاعا عن فلسطين، بينما تقول إسرائيل إنها تدافع عن أمن المنطقة، فيما تصرّ الولايات المتحدة على أن تتكفل بأمن العالم والانتصار للشعب الإيراني الرافض لحكم الملالي.
 

أين نجد الحقيقة؟
ما يجري اليوم هي «حرب على المعنى»، وصراع على تفسير ما يحدث، ومن يمتلك حق تعريفه. الحقيقة الأولى تكمن في أن كل طرف لا يكذب بالكامل، ولكنه لا يقول الحقيقة كاملة. إيران بالفعل ترفع شعار فلسطين، وقد استخدمت الشعار لاكتساب الشرعية خارج إطارها الجغرافي، بمخاطبة العوام الذين لا يستطيعون تفكيك المواجهة وأسبابها. 
إيران تخوض معركة نفوذ إقليمي، لذلك فهي تدير شبكة مصالح تتجاوز البعد الأخلاقي المعلن. الشبكة لم تتأسس حديثا، بل هي ثمرة أكثر من أربعة عقود من العمل السري والعلني، استطاعت خلالها السيطرة على الأرض والقرار في العراق ولبنان واليمن، وفي سورية قبل نجاح الثورة بالإطاحة بحكم آل الأسد. الممارسات على الأرض التي انتهجتها طهران وتهديدها لدول الإقليم، ورعايتها للفصائل المسلحة والمجموعات الإرهابية، وعصابات السلاح والمخدرات، تكشف أن البعد الأخلاقي المعلن لا يعتد به، وأن أهدافها مغلّفة بتقية عميقة تحرك جميع جهودها.
في المقابل، تتحدث إسرائيل عن أمن المنطقة، وهو أمن تخرقه إسرائيل منذ تأسيسها، لكنها عمليا تعيد تشكيل هذا «الأمن» وفق تفوقها العسكري ومصالحها الإستراتيجية، لا وفق توازن عادل، فهي لا تقصد أمنا متبادلا بين دول متساوية، ولا نظاما إقليميا قائما على احترام السيادة والحقوق، بل تقصد بيئة إستراتيجية لا تهدد تفوقها العسكري، ولا تقيد حريتها في الاعتداء، أو تسمح بظهور قوة إقليمية قادرة على موازنتها.
«الأمن» بمفهوم إسرائيل مرادف لاحتكار القوة وإخضاع المجال المحيط. والمفارقة أن إسرائيل تقدم نفسها حارسا للاستقرار، في حين أن تاريخ المنطقة الحديث يكشف أنها أحد أهم مصادر خلخلة هذا الاستقرار. فمنذ تأسيسها بالقوة والاقتلاع والحرب، لم يكن وجودها مجرد نشوء دولة داخل نظام إقليمي مستقر، بل كان إدخالا دائما لعامل استثنائي قائم على الاحتلال والتوسع والحروب المتكررة، وفرض الوقائع بالقوة. إسرائيل لم تنشأ داخل «أمن إقليمي» ثم راحت تدافع عنه، بل نشأت عبر كسره أصلا، ثم راحت بعد ذلك تطالب الآخرين بالاعتراف بحقها الحصري في تعريفه. 
مفهوم «الأمن» كما تطرحه إسرائيل يقوم على نزع السياسة من الصراع، فهي لا تريد النظر إلى ما يجري بوصفه نتاج احتلال وحرمان شعب من حقوقه، واختلال مزمن في موازين القوة، بل تريد اختزاله في مسألة «تهديدات» محيطة، وهو خطاب يستهدف وعي العالم والمنطقة معا بإقناعهم أن «أمن المنطقة» يساوي أمن إسرائيل، فيتحول الأمن من مفهوم جماعي يفترض الشمول والتوازن، إلى امتياز جيوسياسي لطرف واحد، ويطلب من الجميع التكيف معه.
بالنسبة للولايات المتحدة، فهي حين تتحدث عن «الشعب الإيراني»، تستخدم لغة أخلاقية جذابة بدعم الحرية، ومساندة حقوق الإنسان، والوقوف إلى جانب شعب يعاني من نظام مغلق. هذا الخطاب ليس بدون أساس بالكامل، فثمة بالفعل تناقضات داخلية في إيران، وحركات احتجاج، وأسئلة مفتوحة حول طبيعة النظام. لكن المشكلة لا تكمن في وجود هذه القضايا، بل في طريقة توظيفها سياسيا. واشنطن تتحرك بوصفها قوة كبرى تدير شبكة مصالح عالمية، بينما تمثل إيران عقدة جيوسياسية في قلب الشرق الأوسط، ولاعبا مؤثرا في ملفات الطاقة والممرات الإستراتيجية. 
استدعاء القيم يمثل لغة لتبرير القرار، فبدلا من تقديم الحرب كصراع بين دولتين أو مشروعين إقليميين، يعاد صياغته كصراع بين «نظام» و»شعبه»، في محاولة لإضفاء شرعية مسبقة، بسردية أخلاقية تجعل تحركاتها مفهومة ومقبولة.
الروايات الثلاث لا يمكن الاعتداد بها واعتبارها وصفا أمينا للواقع أو النوايا، بل هي أدوات لتعبئة الجمهور، فنحن لا نستمع إلى «حقائق»، بل إلى «خطاب مصمم»، بينما يبقى الواقع أكثر بساطة وقسوة، بكونها معركة مصالح، بينما يتم استدعاء القيم لتجميل الصراع، فيما تكمن خطورة هذه الحرب في قدرتها على إعادة تشكيل وعي الناس، وفي المسافة بين الخطاب والفعل، وما نتج أو من الممكن أن ينتج فعليا على الأرض.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية