خطاطبة يكتب: مؤشرات لواقع جغرافي وسياسي جديد
محمود خطاطبة
يمثل إغلاق المسجد الأقصى المبارك للأسبوع الرابع على التوالي مؤشرا على تصعيد إستراتيجي يهدف إلى تثبيت واقع جغرافي وسياسي جديد، عنوانه: «الضفة الغربية تحت غطاء «غبار الحرب» والانشغال الدولي».
إذ تنفذ حكومة الاحتلال، بقيادة بنيامين نتنياهو، خطة صامتة لتسريع تسجيل الأراضي في نصف الضفة لأول مرة منذ العام 1967 تمهيدا لضم واسع يهدد بتصفية فكرة الدولة الفلسطينية، ويعيد رسم خرائط النفوذ والسيطرة.
معروف تماما الإستراتيجية الإسرائيلية التي تشبه لعبة «البولينغ»، أي إصابة أكبر عدد ممكن من القطع الخشبية الموضوعة في نهاية مضمار طويل، لذا فإن هذه الإستراتيجية تتجاوز الضفة الغربية لتشمل جنوب لبنان وسورية، حيث يطبق نموذج غزة لتشكيل مناطق عازلة، عبر الهيمنة العسكرية والتدمير الجزئي للبنية التحتية وسبل الحياة في جنوب لبنان، بهدف السيطرة على مساحات شاسعة تضمن حرية الحركة والقدرة على شن عمليات عسكرية دون عوائق، مع إبقاء حالة عدم الاستقرار في الجوار كمكسب استراتيجي مستمر. ومعروف أيضا أن هذه الإستراتيجية لا تخدم فقط السياسات الإسرائيلية، بل ترتبط مباشرة بالرهانات الإقليمية الكبرى.
لكن ما يهم في هذا السياق هو الدور العربي، وضرورة أن يصبح محوريا، خصوصا أن أي تغيير سواء في الضفة الغربية المحتلة أو جنوب لبنان يؤثر مباشرة على الاستقرار الإقليمي، وقد يدفع بموجة لجوء أخيرة ونهائية وكبرى إلى دول الجوار، تنفيذا لمخطط «توراتي» يهدف في النهاية إلى إقامة الهيكل الثالث، وربما يكون مفاجئا لبعضهم أن مادة هذا الهيكل في الأساطير التوراتية يصنع من شجر أرز لبنان.
إذن، نحن أمام عملية ابتلاع كبرى للأرض والإنسان.. هذا الأمر يجعل الدول العربية كافة مطالبة بخلق أو إيجاد مبادرة واضحة وفعالة على المستويات الدبلوماسية والسياسية، تضمن منع تثبيت تغييرات أحادية الجانب على الأرض، وتخلق مسارات للتفاوض، تمنع الانفراد الإسرائيلي بالقرار الاستراتيجي، والتنسيق الإستراتيجي الموحد بين الدول العربية وربطه بالأدوات الاقتصادية والدبلوماسية أصبح ضرورة لحماية مصالحها الحيوية قبل أن تتحول التغيرات الإسرائيلية إلى حقائق صعبة التراجع.
رئيس وزراء الكيان المسخ، بنيامين نتنياهو، كما هو معروف عنه بأنه سيد من يلعب بـ»البيضة والحجر»، فالانشغال العالمي بمضيق هرمز أو أزمات الطاقة، يجب ألا تفسر كفرصة للسلبية أو الانتظار، بل كدعوة لتعزيز المبادرة العربية الجماعية وربط الطاقة بملف التجاوزات الإسرائيلية على الأقل.
الأردن يمتلك القدرة على التأثير عبر تحالفاته الإقليمية وقنواته الدبلوماسية، وقدرته على صياغة مبادرات، تقلل من تثبيت التغيرات الإسرائيلية.. غير أن أي تأخير أو غموض سيمنح دولة الاحتلال الإسرائيلي هامشا أكبر لتثبيت واقع جديد يصعب معارضته لاحقا، بل ربما ندخل في دوامة مفاوضات تمتد لعقود من أجل العودة إلى ما كنا عليه اليوم.
في المحصلة، أقول إن ما يحدث في الضفة الغربية وجنوب لبنان ليس مجرد تصعيد عابر، بل اختبارٌ لقدرة الدول العربية على حماية مصالحها الإستراتيجية والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، والقدرة على المبادرة والضغط الدبلوماسي الذكي واستباق التحولات هي وحدها ما يمكن أن يمنع تثبيت تغييرات جغرافية وسياسية أحادية الجانب ويحول الواقع الراهن من حالة تهديد إلى فرصة لإعادة ترتيب الأوراق وفق مصالح الإقليم، فمن خلال استخدام كل الوسائل الممكنة دبلوماسية واقتصادية وسياسية يمكن رفع الكلفة على إسرائيل وجعل تثبيت التغييرات أحادية الجانب أكثر صعوبة مع حماية مصالح المنطقة والحفاظ على الاستقرار طويل المدى.







