العثامنة يكتب: حين تصبح السماء خط الدفاع الأول عن الاقتصاد

{title}
أخبار الأردن -

 

مالك العثامنة


لم تعد الحروب الحديثة تبدأ على الأرض، ولا حتى على الحدود، بل في السماء، حيث تتحول الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى أدوات ضغط اقتصادي قبل أن تكون أدوات قتال عسكري، وحيث تصبح حماية المجال الجوي مسألة تتعلق باستقرار الأسواق بقدر ما تتعلق بالأمن الوطني، وهذه هي الرسالة العميقة التي يمكن التقاطها من النقاش المتصاعد حول قدرة دول الخليج على الدفاع عن أجوائها في ظل تصاعد التهديدات الصاروخية وتطور تكنولوجيا الطائرات غير المأهولة.
 

ليست الفكرة المركزية هنا أن دول الخليج تفتقر إلى أنظمة دفاع جوي، بل العكس تماما، فهي تمتلك واحدة من أكثر شبكات الدفاع الجوي تطورا في العالم، متعددة الطبقات، ومصممة لاعتراض الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة، لكن التحدي الحقيقي لم يعد في القدرة التقنية على إسقاط الهدف، بل في القدرة الاقتصادية على تحمّل كلفة إسقاطه بشكل متكرر، لأن المعادلة الجديدة في الحروب لم تعد تقوم على التفوق العسكري وحده، بل على القدرة على إدارة الاستنزاف المالي والتكنولوجي في وقت واحد.
ما يجري اليوم في سماء الخليج ليس مجرد سباق تسلح تقليدي، بل انتقال إلى نموذج جديد من الصراع يقوم على إغراق الدفاعات الجوية بعدد كبير من الأهداف منخفضة الكلفة، بحيث يتحول الدفاع نفسه إلى عبء اقتصادي إذا طال أمد المواجهة، وهذه ليست مسألة نظرية، بل واقع أثبتته تجارب السنوات الأخيرة، حيث أظهرت الهجمات على منشآت الطاقة والموانئ والمطارات أن الهدف الحقيقي لم يعد السيطرة على الأرض، بل تعطيل الاقتصاد، أو على الأقل رفع كلفة تشغيله إلى مستوى غير مستدام.
بالنسبة للأردن، تبدو هذه المعادلة أكثر حساسية مما قد يعتقد البعض، لأن المملكة ليست دولة نفطية تمتلك فائضا ماليا يمكّنها من إدارة حرب استنزاف طويلة في مجال الدفاع الجوي، لكنها في الوقت نفسه تقع في قلب منطقة تتقاطع فيها مسارات الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتجاور بؤرا ساخنة من الصراع، ما يجعل أمنها الجوي جزءا من معادلة إقليمية أكبر، لا يمكن التعامل معها بمنطق الدولة المنعزلة عن محيطها.
الدرس الإستراتيجي هنا واضح، وهو أن الدفاع الجوي لم يعد شأنا عسكريا صرفا، بل أصبح جزءا من التخطيط الاقتصادي الوطني، ومن إدارة المخاطر الإستراتيجية للدولة، ومن بناء الشراكات الإقليمية والدولية في مجالات الإنذار المبكر وتبادل المعلومات والتكامل الدفاعي، لأن أي دولة متوسطة الموارد، مثل الأردن، لن تستطيع وحدها تحمّل كلفة حماية سمائها في بيئة إقليمية تتجه نحو مزيد من عدم الاستقرار.
وفي هذا السياق، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرح اليوم ليس كيف نحمي سماءنا فقط، بل كيف نضمن استدامة حمايتها، لأن أخطر ما في الحروب الحديثة ليس الصاروخ الذي يسقط، بل الفاتورة التي تتراكم بعد كل عملية اعتراض، وحين تصبح كلفة الدفاع أعلى من كلفة الهجوم، تتحول المعركة من مواجهة عسكرية إلى اختبار لقدرة الدولة على الصمود الاقتصادي، وهذه هي المعادلة التي ستحدد شكل الأمن في الشرق الأوسط خلال السنوات القادمة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية