خريسات يكتب: إعادة التموضع الأردني من بوابة أمن الطاقة لا تجارتها
رامي خريسات
لطالما كانت الصناديق السيادية الخليجية محركات النمو الأساسية، المهمة في بناء ثروات الأجيال القادمة، لكن حين تتراجع الثقة الاستثمارية بسبب القوى القاهرة في زمن الصراعات، لا تعود المشاريع العملاقة أولوية؛ بل تصبح السيولة، وتأمين الغذاء والدواء، والأمن، هي الأولوية.
المحبط للأشقاء أن ارتفاع أسعار النفط لم يحقق مكاسب حقيقية حين تعطلت الملاحة وارتفعت المخاطر الأمنية، ليتحول النفط المرتفع إلى ثروة دفترية معطلة.
هنا تتراجع أحلام السياحة والترفيه والمدن الذكية وشراء الأندية نحو أولويات الأمن الإستراتيجي القومي و"الاكتفاء الذاتي" وهما الركيزتان اللتان لا يعلو عليهما صوت في المشهد الاقتصادي.
هذا التحول جعل المنطقة مختبرا عالميا للسيادة الرقمية، حيث لم يعد أمن الحدود يعتمد على الأسلاك الشائكة، بل على أنظمة الرصد الذكية والبرمجيات القادرة على مواجهة "أسراب المسيرات"، حيث قفز إلى سلم الأولويات حماية منشآت النفط والبنوك والمطارات بدلا من حماية الحدود.
الصراع ليس تقليديا ففيه المسيرات (Drone Swarms) والذكاء الاصطناعي المتعلق بالحروب والأمن، وهي للأسف قوى استنزاف اقتصادي، حيث نجد طائرة مسيرة بآلاف الدولارات باتت تهدد منشآت بمليارات، مما يجعل الحرب "رخيصة" لطرف دون الآخر.
هذا سيستدعي الانتقال نحو الدفاع والتنوع في مصادره، وتأمين سلاسل إمداد الغذاء والدواء، عندها فقط يتحقق أعلى عائد على الاستثمار، حتى لو كان ربحه المباشر أقل، فالصناديق التي ستنجح هي التي ستتبنى مزيجا من الأمن القومي، واستقرار الطاقة، والعائد المالي طويل الأجل وليس قصيرة.
الأردن وفي هذا السياق الجيوسياسي لا يطرح نفسه بديلا عن الدول الأخرى الحليفة والصديقة بل طبقة أمان قريبة ذات عمق استراتيجي، يمكن أن يتحول لمركز لوجستي بري ومخزن إستراتيجي للغذاء والدواء لصالح دول الخليج الشقيقة، مستفيدا من موقعه الجغرافي المستقر نسبيا وربطه البري المباشر البعيد عن ممرات الملاحة المهددة، مما يؤهله ليكون شريان طاقة أمن عبر مشاريع الربط الكهربائي التي يجب أن تُقرأ من زاوية أمن الطاقة لا تجارة الطاقة.
كما أنه مصدر لكفاءات نحتاج لتجديدها في سياق صناعة تصديرية مؤسسية وليس في سياق كفاءات فردية تستنزف بالهجرة، بمعنى هي تنتظر تأهيلا وتدريبا تواكب فيه مستجدات الأمن السيبراني، التكنولوجيا الدفاعية، إدارة الأزمات، قطاع الزراعة التقنية، البنية التحتية وغيرها.
كل ما سبق يستدعي إعادة التموضع الأردني وتغيير الخرائط الاستثمارية وخطط التحديث الاقتصادي لتواكب المستجدات، بما يخدم الاقتصاد الداخلي ويسهم في استمرار استقطاب الكفاءات الأردنية المميزة.







